حجم المشاركة الشعبية في بيروت وفي جونية وصور والنبطية وطرابلس وعدة مناطق لبنانية ارعبت الاحزاب اللبنانية واربكتها وخاصة ان غضب الشارع لم تهدئه ورقة الاصلاحات الاقتصادية التي اعلنها رئيس الوزراء سعد الحريري. وحدة اللبنانيين الذين تخطوا الاصطفافات الطائفية والحزبية واجماعهم على عدم الثقة بالطبقة السياسية والمطالبة بتغييرها هزت عروش الاحزاب والمسؤولين الذين اعتبروا ان الشعب اللبناني سيظل صامتا ازاء كل ممارساتهم الظالمة والفاسدة.

اظهر اللبنانيون ان وحدتهم لن يطفئها هذه المرة دهاء السياسيين لانهم اثبتوا عن وعي ونضج وطني وثورتهم لن يتم اخمادها لو انهم يواجهون شياطين برعوا في الالتفاف على مطالب الناس.

فلماذا الناس لم تتراجع عن التظاهر؟ حصلت حوادث كثيرة كانت خير دليل على ان الناس وصلت الى القعر، وان نسبة الفقر ازدادت بشكل مخيف، وان الما يتعاظم في نفوس المواطنين اللبنانيين، في حين ان الاطراف في الحكومة الحالية كانوا غارقين في ماض عقيم وحقد دفين فتعاملوا على هذا الاساس في قضايا مصيرية ووطنية. وعليه، كان التعطيل والتأخير في كل ملف، ناهيك عن المحاصصات والتعيينات التي اظهرت الجشع والطمع والنفوذ عند كل فريق سياسي. اما الحوادث التي حصلت قبل انطلاق هذه التظاهرات الشعبية كانت شرارتها اقدام جورج زريق على احراق نفسه بسبب عدم قدرته على دفع اقساط المدرسة لابنته كما قام مواطن في طرابلس بسرقة رغيف خبز لاطعام عائلته فتمت محاسبته على هذا «الجرم».

ماذا فعلت الدولة امام هاتين الحادثتين؟ تعاطت بسطحية مع مأساة هذين المواطنين، فهي لم تر ان الناس كلها متألمة ولكن غضب الناس لم يصل حينها الى الانفجار في الشارع. والمحزن ان الدولة بكل افرقائها السياسيين استمروا بالتحامل على المواطن وباثقال كاهله بسياسة تقشفية لم تطل سوى جيوب المواطن اللبناني سواء من رواتب العسكر او ضرائب ظالمة الى ان طفح الكيل. والى جانب ذلك، استغرق تشكيل هذه الحكومة المشؤومة ثمانية اشهر لتتألف ومن ثم وقعت حادثة البساتين، فظهرت الاحقاد بشكل واضح. علما ان الاحقاد لا تبني اوطانا.

كان المسؤولون غارقين في المزايدات الشعبية وفي تقاسم السلطة دون الارتكاز على معايير واضحة وقيّمة في وقت كان الغضب يتزايد في صفوف المواطنين والاحمال اضحت ثقيلة على المواطن الى ان اتت ضريبة الواتساب فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير فاشعلت ثورة سيصعب اخمادها اذا قاربت الدولة مرة جديدة وجع الناس باسلوب سطحي.

ولذلك فلنتكلم بصراحة: ان التظاهرات الشعبية لن تتوقف لان الناس استفاقت ولان وجعها والمها بات اكبر من ان يحتمل وان يستكين بمسكنات ولان الناس ملت سجالات سياسية لا تأتيها بنتيجة ولا تؤدي الى تنمية، وعليه، بات الحل الوحيد هو اعتراف الدولة بوجع الناس والتعامل معه بواقعية وبجدية دون اللجوء الى التحايل والمناورات والكذب علىها. هذه الحكومة رفضتها الناس ولا تزال رغم الاقتراحات الاقتصادية الجديدة لان الثقة فقدت بين المتظاهرين وبين الحكومة وبات مطلبهم رحيل هذه الحكومة. فلماذا لا تشكل حكومة من اختصاصيين يعملون بجهد لانجاز الملفات المهمة؟

اما من جهة المتظاهرين فهم ايضا تترتب عليهم مسؤولية ابعد من الضغط في الشارع على الحكومة وهي تشكيل لجنة تحمل مقترحات محددة في حال اتت حكومة جديدة او بقيت هذه الحكومة (اذا حالفها الحظ) فتكون هذه اللجنة تتابع العمل الحكومي في تنفيذ المقترحات التي يطالب بها المتظاهرون.

نريد للتظاهرات الشعبية النجاح، ولتحقيق ذلك لا يكون فقط بالهتافات بل من خلال خطة عملية تحقق مطالبهم، فلا تذهب كل هذه التظاهرات هباء. هذه المرة من واجب المتظاهرين التصرف بذكاء وبحذر مع هذه الطبقة السياسية وبتصميم وتعمق في كل خطوة يأخذونها في مواجهة السياسيين.

\