قلَّص صلاحيات رئيس الجمهورية، وعدَّل الدستور والنظام السياسي في البلاد، وقسَّم الحكم بناءً على الطوائف، هذا ما تمخض عنه «اتفاق الطائف» التاريخي الذي تم توقيعه في مدينة الطائف السعودية، برعاية دوليةٍ عام 1990.

يعود الاتفاق إلى الواجهة اليوم، مع الحراك الشعبي الذي يجوب الشوارع اللبنانية مطالباً بإسقاط الطبقة السياسية الحاكمة بكل التيارات والأحزاب والجماعات دون استثناء والتي جاء بها «الطائف» إلى الحكم، وهو ما ظهر في شعارات المتظاهرين منذ يوم الخميس (17 تشرين الاول الجاري).

ما هو اتفاق الطائف؟

يمثل توقيع «اتفاق الطائف» نهاية رسمية للحرب الأهلية اللبنانية الطاحنة التي اندلعت عام 1975 ودامت خمسة عشر عاماً، وتسببت في مقتل أكثر من 120 ألف شخص، وتشريد نحو مليون آخرين، بحسب «هيومان رايتس ووتش».

} الحرب الأهلية اللبنانية }

وأسهم رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، في فترة حكم العاهل السعودي آنذاك الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، في التوصل إلى الاتفاق، وأُقر برعاية (أميركية - سعودية - سورية)، وأفضى إلى شراكة وطنية قائمة على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في الحكم.

في كانون الثاني 1989، بدأت لجنة عيَّنتها جامعة الدول العربية صياغة حلول للنزاع. وفي آذار 1991، سنّ البرلمان اللبناني قانوناً للعفو عن جميع الجرائم السياسية حتى تاريخه، وحُلّت المليشيات العسكرية، باستثناء حزب الله، في حين بدأت القوات المسلحة اللبنانية إعادة البناء ببطء، باعتبارها المؤسسة الوحيدة الرئيسة غير الطائفية في لبنان، كما بقيت التوترات الدينية بين السُّنة والشيعة بعد الحرب.

وحددت المادة الرابعة من الاتفاق كيفية العلاقة بين سوريا (نظام حافظ الأسد) ولبنان؛ حيث أكّدت العلاقات المميزة التي تجمع لبنان وسوريا، مشيرة إلى عدم سماح بيروت بأن تكون الجغرافيا اللبنانية ممراً أو مركزاً لأي نشاط يستهدف الأمن السوري.

ويرى مراقبون أن «اتفاق الطائف» صحيح أنه أوقف الحرب الأهلية وبنى لإلغاء الحالة الطائفية بشكل أساس، لكنه في الحقيقة كرَّس الحكم الطائفي من خلال المحاصصة الطائفية والمذهبية بين أمراء الحرب؛ وهو ما بقي مستمراً حتى اليوم، وجعل البلد الجار لسوريا حديقة خلفية لنظام الأسد الأب (ومن ثم نظام ابنه بشار الأسد)، تحكَّم فيه بشكل كبير، ونشر جيشه في كل المناطق، وبنى الحواجز العسكرية، واعتقل آلافاً من الشباب، وكان له دور أساس في انتخاب رئيس الجمهورية وتعيين الحكومات واستقالتها.

} اغتيال الحريري }

تسبب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، المقرب من السعودية، في شباط 2005، في حالة غليان بالمجتمع اللبناني، ووُجهت أصابع الاتهام إلى النظام السوري برئاسة الأسد، وحليفه حزب الله اللبناني، وخرجت مظاهرات عارمة في لبنان (عُرفت بثورة الأرز)، طالبت برحيل الجيش السوري من لبنان فوراً.

كان لتلك المجاميع الشعبية أثر، إذ ضغطت فرنسا والولايات المتحدة على نظام الأسد الابن، فسحب جيشه خلال 24 ساعة، من الأراضي اللبنانية بالكامل، في 27 نيسان 2005، بعدما بقيت تقود نظاماً أمنياً 30 عاماً تقريباً.

انقسم اللبنانيون إلى فريقين: قوى 8 آذار، ويتزعمها «حزب الله» وتضم أيضاً «حركة أمل والتيار الوطني الحر وآخرين»، وهي موالية للنظام السوري وإيران، مقابل فريق 14 آذار، بزعامة رئيس تيار المستقبل ورئيس الوزراء الحالي سعد الحريري (نجل رفيق الحريري)، ويضم «حزب الكتائب اللبنانية وحزب القوات وآخرين»، وتدعمه السعودية والغرب.

ومنذ ذلك العام، توالت عمليات اغتيال سياسيين وصحفيين وأمنيين من فريق 14 آذار، مع اتهامات للنظام السوري وحزب الله بالضلوع فيها.

يشار إلى أنه قبل اغتيال رفيق الحريري بفترة قصيرة، كان مجلس النواب اللبناني يناقش مشروع قرار قدمته المعارضة اللبنانية (تمثل قوى 8 آذار)، ينادي بتقسيم العاصمة بيروت إلى 3 دوائر انتخابية على أساس طائفي ومذهبي، والتي كانت تسير خطوة تسبق «اتفاق الطائف»، وتنذر بفتنة قد تعيد الحرب الأهلية.

وكان عديد من المراقبين يخشون في عام 2005 من سقوط البلاد مرة أخرى بدوامة العنف بُعيد اغتيال الحريري، والمطالبة بتعديل «اتفاق الطائف»، وزاد من تلك المخاوف أن جراح الحرب لا تزال حاضرة، وأن الوفاق لا يزال هشاً رغم مرور أكثر من 15 عاماً على «اتفاق الطائف».

وكانت القوى التي تدعمها إيران ونظام الأسد ترى آنذاك، فرصة للانقضاض على «اتفاق الطائف» الذي أصبح دستوراً للبنانيين، والسعي إلى تعديله بما يعيد لها المكتسبات التي تقول إنه أطاح بها، وفي مقدمة هذه المكتسبات «صلاحيات رئيس الجمهورية المسيحي»، الذي يعتقد أصحاب هذه النظرية أنها فُرّغت من مضامينها لمصلحة رئاسة مجلس الوزراء السُّنية.

كذلك، علت أصوات داخل الطائفة الشيعية المؤيدة لحزب الله، للمناداة أيضاً بتغيير الاتفاق، بالذهاب إما إلى مؤتمر تأسيسي يعيد النظر في النظام اللبناني من أساسه، وإما بتعديل «الطائف» وإقرار نظام «المثالثة» في الحكم.

وفي 7 أيار 2008 ومع وجود السلطة اللبنانية وجيشها وقواها الأمنية وضمان «اتفاق الطائف» لفصل السلطات في البلاد، احتلت مليشيا حزب الله، التي لم تتخلَّ عن سلاحها عام 1990، العاصمة بيروت ومناطق أخرى، وسيطرت على مراكز حزبية لتيار المستقبل، إلى أن تدخلت دول كبرى سياسياً لوقف ذلك.

وفي 21 أيار من العام ذاته، عُقد «اتفاق الدوحة» بقطر بين جميع القوى السياسية اللبنانية، وأوقف الأزمة التي استمرت 18 شهراً، تضمنت السيطرة على بيروت، وأحداثاً دامية فيه، وانتُخب على أثرها قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً للبنان.

} تكريس الطائفية }

ورغم أن «اتفاق الطائف» ما زال يمثل هدنة طويلة الأمد للحرب الأهلية، فإن الشارع اللبناني بقِي على مدار السنوات السابقة، مقسَّماً ومتشظياً بين الأحزاب والجماعات على أسس طائفية ومصلحية، عمادها الولاء لزعيم تيار أو قائد حزب، كأن اختيار السعودية مدينة الطائف لعقد الاتفاق يوحي باستمرار الحالة الطائفية والتشتت داخل المجتمع اللبناني، وهو ما يرفضه الشعب، الذي خرج بجميع المدن اللبنانية في تظاهرات سلمية عارمة.

وترى الناشطة السياسية اللبنانية ندى ناصيف، أن «اتفاق الطائف كرَّس المحاصصة بلبنان، وكذلك الطائفية في الحكم، والنظام السياسي».

وقالت ناصيف في حديثها لـ«الخليج أونلاين»: إن «هذا الاتفاق لم يخدم اللبنانيين، وعمِل على التدخل في طائفة الرئيس، فمثلاً رئيسنا الحالي لم يُكتفَ بأنه مسيحي، بل أن يكون مارونياً، وهذا ما خلفه الاتفاق».

وأضافت: إن «اللبنانيين شعب واعٍ وخاض عدة ثورات خلال السنوات الماضية، أبرزها في عام 2011، حين خرج الشارع ضد المسؤولين، بسبب النظافة (كانت القمامة تملأ شوارع لبنان) إبان حملة (طلعت ريحتكم)، والآن خرج بثورة بدأت بمطالبة بسيطة وتوسعت، وسيعمل على إنهاء أي اتفاقيات تضره (في إشارة إلى اتفاق الطائف)».

وعن جدوى بقاء هذا الاتفاق، تعتقد الناشطة السياسية أنه «لا بد من إعادة النظر فيه، إضافة إلى كثير من القرارات الحكومية في لبنان، وضرورة النزول عند مطالب الشارع».

من جانب آخر، يرى الكاتب السياسي في صحيفة «النهار» اللبنانية، غسان حجار، أن «ما يحدث في الشارع اللبناني حراك يؤسس للتغيير العميق». وأوضح حجار في مقال له نشرته الصحيفة يوم السبت (19 تشرين الاول)، أنه «مضى على اتفاق الطائف 30 عاماً، ودخل حيز التنفيذ بعد تصويت مجلس النواب اللبناني عليه، لكن التنفيذ لم تكتمل حلقاته إلى اليوم».

وأضاف: «الكل ينادي بـ(الطائف)، لكنَّ أحداً لم يدخل في تفاصيل التنفيذ، من خلال البنود والمواد، وكلٌّ ينادي بما يناسبه ويحقق مصالحه، فالمسلمون الشيعة ينشدون إلغاء الطائفية السياسية، بعدما صاروا أكثرية عددية، ولا يلتفتون إلى أمور أخرى».

وتابع بقوله: إن «المسلمين السُّنة يتذكرون الطائف من باب المحافظة على صلاحيات الرئاسة الثالثة (رئاسة الحكومة) التي أصابها الوهن في زمن الوصاية وما تبعه بعد الانسحاب القسري للجيش السوري من لبنان. أما الدروز فيحاولون التقاط ما فات، من خلال التمسك برئاسة مجلس الشيوخ بعدما اقتحمت هذا الموقع مطالب أرثوذكسية تطالب به».

من جهته قال الأكاديمي اللبناني علي شعيب، في مقال له بموقع قناة «العالم» الإخبارية، نُشر يوم الأحد (20 تشرين الاول الجاري): إن «اتفاق الطائف لم يستطع بآلياته القاصرة وبأركانه الفاعلين إلغاء الطائفية السياسية، ذلك المحور الذي نُسج عليه دستور ونظام وهيكل الدولة التنظيمي، وتوزعت بشكل لا يراعي العدالة والإنصاف لسلطاتها ومواردها المعنوية والبشرية والمادية والمالية، وبُنيت سياساتها الاجتماعية والاقتصادية الجائرة والظالمة عليه».

ومنذ 17 تشرين الاول الجاري، يتظاهر اللبنانيون في غالبية المدن، ويطالبون بإسقاط النظام بكل رموزه، وإيقاف النظام الطائفي الذي جاء به «اتفاق الطائف» المرعيّ سعودياً، واعتماد إجراءات لمكافحة الفساد، وإعادة الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة.

في المقابل تقدَّم الحريري بورقة إصلاحية اقتصادية، واعتمدتها حكومته يوم الاثنين (21 تشرين الاول الحالي) بعد إعطائها مهلةً مدتها 72 ساعة، لكن يبدو أن الشعب اللبناني رفضها؛ حيث ما زال يدعو إلى تظاهرات عارمة أكثر.

محمد ابو رزق ـ الخليج اونلاين