وجهات النظر تكاد تكون متطابقة بين اللبنانيين بأن الطبقة السياسية اللبنانية هي الاسوأ في العالم، وممارساتها دفعت الشعب اللبناني بكل طوائفه الى النزول الى الشوارع رافضين اي محاولة لوضع الانتفاضة في خانة هذا او ذاك.

ولا شك وحسب مصادر متابعة فان الانتفاضة الشعبية اجبرت الحكومة بكل مكوناتها على تقديم تنازلات كبرى، يجب ان يأخذها المنتفضون بعين الاعتبار وهي تشكل الخطوة الاولى للتعبير وكما قال القائد الصيني العظيم ماوتسي تونغ (رحلة الاف ميل تبدأ بميل واحد)، وعلى المنتفضين التواضع في مطالبهم كي لا تذهب حركتهم في زواريب السياسة اللبنانية ويخرجون من «المولد بلا حمص» ولان شعار اسقاط الحكومة هو شعار كبير يلزمه احزاب سياسية وقادة قادرون على استلام دفة الحكم عبر تغيير جذري، وهذا ينطبق ايضا على شعار «اسقاط النظام». وبالتالي، فان الحصول على مكاسب اصلاحية امر ايجابي ويشكل البداية لانتزاع مطالب جديدة من الحكومة، كما ان الانتفاضة عززت مكاسب العمال والموظفين ولا يمكن بعد الآن المس بها.

كما ان كلام الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله جاء ليحصن حركة المنتفضين حيث ابدى كل الاحترام والتفهم لحركتهم العفوية والصادقة، العابرة لكل الطوائف والمناطق واكد ان رسالة المنتفضين وصلت الى جميع المسؤولين وبقوة، كما ان اهتمام سماحة السيد بالمتظاهرين من خلال تقديم النصيحة لهم والتنبة من الشغب والاساءات جاء لتحصين تحركهم وطالب بترك التظاهرات بدون شعارات حزبية كي لا يستغل التحرك من قبل السياسيين المطالبين باسقاط الحكومة والعهد. وهذه الشعارات هدفها افشال التحرك وابعاده عن اهدافه الحقيقية، كما ان السيد لم يترك المتظاهرين لوحدهم كما ظن البعض، واوضح لهم ان عدم وجود حزب الله بين المتظاهرين ينفع تظاهرتهم اكثر كي لا ينحرف المسار الحقيقي للتظاهرة ويتم استغلالها سياسياً ومن افرقاء عدة، واعطى سماحة السيد حسن نصرالله فرصة للتعاون وايجاد الحلول من قبل المسؤولين كي لا ينهار البلد، لان الفوضى ستصيب البلد بنتائج كارثية مع تمسكه برفض اي ضريبة على الفقراء، واذا لم يكن هناك من نتائج في عمل الحكومة والمعالجات فان حزب الله سيكون مع المتظاهرين اذا اقتضى الامر وسيقلب كل المعادلات.

ما يحصل في لبنان حسب المصادر امر خطير جداً بالتزامن مع تطورات اقليمية دقيقة واستثنائية في شمال سوريا تفرض تحصين البلد، لان الذهاب الى الفوضى مع وجود مليون ونصف مليون نازح سوري ونصف مليون لاجئ فلسطيني قد يؤدي الى ضرب الاستقرار اللبناني، وهذا ليس لمصلحة الجميع، كما ان محاولات البعض داخليا واقليميا استغلال ما يحصل وقلب الطاولة، وعندها حزب الله الذي هزم قوى كبيرة لن يسمح للخارج باستغلال ما يجري داخليا للتصويب عليه، ولذلك يبقى المطلوب ضرورة تحمّل المسؤولية من الجميع وعدم التنصل والهروب الى الخلف والاستقالة كما فعلت القوات اللبنانية ومحاولة ركوب الموجة الشعبية رغم ان القوات اللبنانية شريكة في كل الحكومات والمسؤوليات منذ العام 2005، فيما الحزب التقدمي الاشتراكي مارس السياسة الحكيمة كون رئيسه وليد جنبلاط يدرك بان الذهاب الى الفراغ امر خطير وقدم ورقة اصلاحية واقترح بنوداً اضافية على ورقة الحريري، وجاءت زيارة الوزيرين اكرم شهيب ووائل ابو فاعور وغازي العريضي الى حزب الله ولقاء الحاج حسين خليل المعاون السياسي للسيد حسن نصرالله لتعطي مزيداً من الثقة بتجاوز ما حصل وكانت وجهات النظر متطابقة حسب مصادر الطرفين والاتفاق على الانقاذ الاقتصادي.

وحسب المصادر، فان حزب الله يدفع الان ثمن «الشراكة» في الحكومات والدولة، والجميع يعرف انه لم يستفد بأي شيء أو أي منصب او موقع في ادارات الدولة، والجميع مقرون بشفافيته وكان بمقدوره القول للجميع «لا علاقة لي» بما ارتكبت اياديكم، لكن السيد نصرالله تعامل مع الاحداث بمنطق رجل الدولة وعدم السماح باغراق البلد او احراقه وجعله رهينة الوضع الاقتصادي وتسليمه للمراهنين الكثر، ولذلك دعا الجميع لتحمل المسؤولية كون الوطنية الحقيقية هي التعاون بين الجميع لايجاد الحلول والتي لا تكون بفرض الضرائب على الفقراء وهذا النهج مسؤولية الجميع.

فالوضع الاقتصادي والمالي السيئ هو نتيجة تراكمات خاطئة منذ العام 1991 ومشروع اقتصادي اوصل لبنان الى الهاوية، وهو ليس وليد العهد الحالي ولا الحكومة الحالية وهو نتيجة اخطاء كل المسؤولين الذين توالوا على الحكم منذ عشرات السنين ويريدون الان ان يركبوا موجة الناس وبالتالي من يتهرب من المسؤولية الان غير جدير بتحمل اي مسؤولة حاضرا ومستقبلا.

ولذلك وحسب المصادر، يجب على المنتفضين التواضع في شعاراتهم لان اسقاط العهد هو شعار كبير ويدخل في حسابات دولية واقليمية ونتائجه على البلد كارثية، كما ان استقالة الحكومة لن تبدل شيئاً كون القوى السياسية التي تتحكم بالمجلس النيابي ستعيد انتاج الطبقة السياسية نفسها.

المغامرون عام 2005 بشعاراتهم الكبرى والمتطرفة ضربوا انجازات ما سمي بثورة الارز يومها والخوف من ان تطيح شعارات المغامرين انفسهم في عام 2019 بنتائج الانتفاضة الشعبية والايام المقبلة ستؤكد ذلك اذا بقي البعض راكبا موجة شعارات لا تصل الى اي نتيجة سوى الدماء والدموع وليس راحة البلد وبحبوحته.