يوم امس كان تاريخيا واستثنائيا في تاريخ طرابلس والشمال بل في تاريخ لبنان.. لم يحصل في تاريخ طرابلس والشمال أن شهدت هذا الحجم من الحشود الشعبية التي فاقت قدرات كل التيارات السياسية..

طرابلس يوم امس الاحد اعلنت صراحة انها خرجت من عباءة كل التيارات السياسية ومن عباءة النواب واسقطت عنهم اوراق التين..

واكدت طرابلس انها مدينة العيش الواحد والوحدة الوطنية وانها مدينة التفاعل الحضاري بين كل المكونات الطرابلسية ولا مكان فيها للطائفيين والمتطرفين..

تمردت طرابلس على جميع نوابها ورفض اكثر من خمسين الف مواطن احتشدوا في ساحة عبد الحميد كرامي (النور) وتفرعاتها احتساب حراكهم لأية جهة سياسية ولاول مرة في تاريخ المدينة يجتمع في ساحاتها هذا الحجم الشعبي غير المسبوق من كل الطوائف والمذاهب.. كبارا وصغارا شبابا وفتيات وشيوخ ومن كل الشرائح.. ومن اصحاب المهن الحرة وفنانون في مقدمهم الفنان الملتزم مارسيل خليفة وكورال الفيحاء.. والجميع متحمس للمشاركة في الثورة الشعبية التي توحدت طرابلس لأجلها رفضا لسياسات التفقير والتجويع وسياسات الضرائب والرسوم..

العلامة الفارقة في المشهد الطرابلسي هو غياب كلي لنواب طرابلس ولقيادات سياسية طرابلسية مما دفع باحد المشاركين للقول ان نواب طرابلس تحسسوا الخطر المحدق بهم وبكراسيهم ولمسوا ان اقنعتهم تساقطت وان الشعب فقد الثقة بهم..

خاصة ما جرى أمام منزل الرئيس ميقاتي في الميناء حيث وقف مئات المتظاهرين بمواجهة كافة مخارج القصر في محاولة لمنع ميقاتي من الخروج خصوصا ان محاولات كثيرة له جرت للمغادرة لكنها فشلت ولم ينته الاعتصام أمام قصره الذي حمله مسؤولية ما آلت اليه ظروف المدينة المعيشية من فقر وتجويع وتشريد الا بعد مفاوضات اجراها ميقاتي مع عدد من المعتصمين الذين اخلوا الساحة بعد وصول دوريات الجيش اللبناني.

فلليوم الرابع على التوالي توافد آلاف المواطنين إلى ساحة النور الساحة التي جمعت كل اطياف المدينة من كل الطوائف مسيحيين ومسلمين سنة وعلويين والعلم اللبناني وحده كان يرفرف في ساحة الاعتصام اضافة الى اناشيد الثورة التي هزت كلماتها كل المشاعر خصوصا انها أيقظت وجع وآلام الفقراء نتيجة غياب الدولة منذ سنوات عن المدينة واستقالتها من دورها في الانماء الحقيقي. كذلك فاجأ عدد من رجال الأعمال الطرابلسيين المعتصمين بتوزيع الحلوى والطعام والمياه والأعلام اللبنانية مع وصول عدد من الفنانين الذين ادوا التحية للمتظاهرين واعتبروا ان تظاهرة طرابلس من ارقى التظاهرات في العالم من حيث التنظيم وعدد المشاركين الذي بلغ اكثر من خمسين الف مشارك. كذلك فاجأ الفنان مارسيل خليفة المتظاهرين بحضوره إلى ساحة الاعتصام حيث أنشد معهم أغنياته الثورية، وتم وضع عدد كبير من مكبّرات الصوت في الساحة لتتمكن الحشود الضخمة من الاستماع إليه كذلك شاركت فرقة كورال الفيحاء الفنان خليفة بعدة اناشيد وطنية من وحي المناسبة اضافة إلى بث ألاغاني طيلة النهار وطنية وتراثية. ولاقت أغنية «شدوا الهمة» وأغنية «إني اخترتك يا وطني» تصفيقا حارًا من المتظاهرين.

ومنذ ساعات الصباح الأولى يوم امس توافدت مئات السيارات من الضنية والمنية والكورة وعكار للمشاركة في اعتصام ساحة النور الذين وحدوا شعاراتهم وهتافاتهم ابرزها المطالبة باسقاط النظام وتغيير النظام الحالي واستبداله بقانون أولا يحترم المواطن وتوفير خدمة الاستشفاء والتعليم وقانون المهن الحرة يحمي العامل خلال عمله وليس كما جرت العادة بطرده ساعة يشاء صاحب العمل، وتأمين المياه والكهرباء للمواطنين فلبنان يدفع أغلى فاتورة في العالم بل ويدفع فاتورتين للحصول على الكهرباء والمياه. اضافة الى تأهيل البنى التحتية وانهاء المشاريع التي بدأت قبل سنوات ولم ينته العمل فيها وانهاء ظاهرة المحسوبيات خصوصا في مجال العمل حيث يقوم بتأمين الوظائف التابعين للسياسيين رغم انهم لا يحملون الشهادات بينما آلاف الطلاب المتخرجين لا يحصلون على وظيفة واحدة لانهم غير محسوبين على الطبقة السياسية.

وكان لافتًا انقطاع إرسال شركتي «تاتش» و«ألفا» في ساحة النور حيث يتواجد عشرات الالاف من المحتجين، مما أثار غضبهم ودفعهم الى الهتاف ضد الشركتين ومطالبتهما بتفعيل الارسال. واتهم المشاركون في الاعتصام الوزير محمد الشقير في قطع الاتصالات عن ساحة النور لان مؤسسته «باتشي» تعرضت للتكسير من قبل الغاضبين قبل يومين. وأكدوا ان هذه الكيدية لن تفيد ولن تخدم احدا من الوزراء لان رحيلهم ومحاسبتهم بات قاب قوسين.

وكان لافتًا مشاركة واسعة من طلاب وطالبات جامعيين وأساتذة الجامعات ومعلمو ومعلمات التربية الدينية في دار الأوقاف ومهندسون وأطباء ومحامون وصيادلة وأصحاب المهن الحرة ونقابات وجمعيات وعمال ومختلف الأعمار ونجارين وكافة شرائح المجتمع من كل الأطياف واطلقوا صرخة مدوية باسقاط النظام الحالي كما اشتعلت الساحة بالأغاني الوطنية وحلقات الدبكة

وشارك في الاعتصام شبّان وشابات ومسنون وأساتذة جامعات وأصحاب مهن حرة، يطالبون بإسقاط النظام على وقع الاغاني الوطنية وحلقات الدبكة التي تعقد وسط الساحة.

ساحة عبد الحميد كرامي يوم امس برأي طرابلسيين انها دخلت التاريخ من بابه العريض وانها تمردت على كل نواب المدينة لاول مرة دون استثناء احد من النواب والسياسيين.