كنت دائماً أشدد في مقالتي على تحرّك الشعب، لقلب الطاولة على الطبقة السياسية الحاكمة الفاسدة، وكان دائما العديد من الاصدقاء والصديقات والقراء، يعلّقون بالقول «على من تقرأ مزاميرك يا داود».

وكنت دائماً انتظر «عجيبة» تخلّص لبنان من ازمته المميتة، مراهناً على نهضة تجمع اللبنانيين، كما جمعتهم في يوم 14 آذار 2005، يوم انتفاضة الاستقلال، وحصلت «العجيبة» وبشكل أبهى وأكبر وأجمل عندما غابت الطوائف والمذاهب، وحضرت بقوّة طائفة واحدة، هي الطائفة اللبنانية، التي رفرف علمها وحيداً طول اربعة ايام بنهارها ولياليها على الساحات والشوارع والبيوت على مساحة الوطن كلّه حتى في المناطق التي كانت محسوبة مغلقة.

كل لبناني نزل الى الشارع كان يريد ان يحكي قصته، وكل قصة تختلف عن الاخرى، ولكن قصة واحدة جمعت الكلّ، هي الجوع والكرامة، الكل جائع، والكل يشعر ان هذه الطبقة السياسية الحاكمة الفاسدة الفاشلة، استباحت كرامته طول سنوات وجاء يوم الحساب، ولذلك لم يعد احد يصدّق ما يقال له، حتى ولو كان صحيحاً، لأن الثقة فقدت تماماً بين المواطن والمسؤول، كائناً من كان هذا المسؤول.

هذا العرس الوطني، لم يسبق له مثيل، بنسبة حجمه، في أي دولة في العالم، فكيف اذا اضفنا الى هذا الحشد المليوني، آلاف اللبنانيين الذين خرجوا الى عواصم ومدن العالم، يعيدون الى الشعب اللبناني الكرامة والعزّة والشجاعة التي حاولوا انتزاعها منه بتجويعه وسرقة امواله وكرامته.

* * * * *

هذه الحكومة الكابوس، اذا كانت لم تسقط قانونياً بعد استقالة وزراء حزب القوات اللبنانية، الاّ انها سقطت شعبياً تحت قبضات هذا البحر من البشر، الذي كان ينادي باسقاطها واسقاط جميع رموز الفساد، والملفت ايضاً، غير تحرّك الشارع الشيعي، هو تحرّك الشارع المسيحي بهذه الكثافة غير المسبوقة، ونزول رجال الدين من مختلف الطوائف والمذاهب الى التظاهرات واطلاق التصريحات الشجاعة المؤيدة لتحرّك اللبنانيين الحضاري بامتياز، باستثناء احداث الاعتداء على المحال التجارية والمصارف بقصد النهب والسرقة على يد مرتزقة، لم يجدوا لهم مكاناً بعد ذلك، بين المتظاهرين الشرفاء.

كلنا اطّلعنا على ورقة رئيس الحكومة سعد الحريري الاصلاحية، وهي صدقاً رائعة وجيدة، ولكنها تأخرت كثيراً، ولو صدرت منذ اسبوع وبدأوا بتنفيذ بنودها، كانوا وفّروا الكثير على اللبنانيين، لأن الأوضاع في لبنان اليوم، مفتوحة على جميع الاحتمالات إن لم تستقل الحكومة، وتشكل حكومة مصغّرة غير سياسية سريعاً.

هل يسمعون الصراخ هذه المرّة؟!