اعلان جمعية المصارف عن اقفال ابواب المصارف اليوم لليوم الثالث مؤشراً الى استمرار عدم بلورة الورقة الاقتصادية التي يعدها الرئيس سعد الحريري تمهيداً لاقرار موازنة 2020 وقد تسحب التحركات الشعبية من الساحات والشوارع، مع العلم ان هذه الورقة ستتطرق الى كيفية مساهمة القطاع المصرفي في تخفيض العجز وتراكم الدين العام وان كان الحديث اليوم هو عن 5 الاف مليار ليرة من المصارف الى وزارة المالية.

واذا كان السبب الاول لاقفال ابواب المصارف هو انتظار الورقة الاقتصادية للرئيس الحريري، فان هناك اسبابا اخرى تحتم على المصارف التريث في فتح ابوابها لمنع المودعين من سحب ودائعهم او تحويل اموالهم في ظل الغموض السياسي الذي ما زال يكتنف وضع البلاد، رغم القيود لمنع ذلك في القطاع المصرفي.

وتعتبر مصادر اقتصادية مطلعة ان الغضب الشعبي وان كان يصب على الطبقة السياسية الحاكمة، فان «طراطيش» تطال القطاع المصرفي بأنه المسبب الرئيسي لتعاظم الدين العام واستمرار العجز في الموازنة، وبالتالي مفروض ان يتم «قص الشعر» لاعادة جدولة الدين العام في ظل الارباح التي حققها هذا القطاع خصوصا من جراء الهندسات المالية التي اطلقها مصرف لبنان اكثر من مرة، لكن مصادر مصرفية ترد بأن القطاع المصرفي تعرض خلال السنتين الماضيتين الى سلسلة من الضرائب ومنها ضريبة «الازدواج الضريبي» وساهمت بشكل وبآخر في دعم مختلف القطاعات الاقتصادية، وكانت المؤسسة الاكبر التي ساهمت في تمويل الدولة.

هذا من ناحية، من ناحية اخرى فان الرئيس الحريري يريد «احداث صدمة ايجابية» من خلال ان تكون موازنة 2020 خالية من الضرائب ومن العجز، ان صفر ضرائب وصفر عجز من خلال تدابير تطال السياسيين بتخفيض رواتبهم بنسبة 50 في المئة، وايضا كل انواع الزيادات على القيمة المضافة والمحروقات والتبغ والتنباك والخليوي والخدمات العامة وتفعيل العمل بالقروض السكنية، والشروع في تطبيق خطة الكهرباء تمهيداً لتأمين التيار الكهربائي 24 ساعة على 24 وتعين الهيئات الناظمة فيها وفي الاتصالات والطيران المدني واقرار مشروع قانون استرداد الاموال المنهوبة ووضع آلية واضحة لمكافحة الفساد والتهرب الضريبي وغيرها من المشاريع الجذرية التي كان يحكى عنها ولا يتم تطبيقها خصوصا في ما يتعلق بالمؤسسات غير المنتجة والجمعيات الوهمية والغاء امتيازات كبيرة.

ولكن هل القرارات التي سيتخذها الحريري ستؤدي الى انسحاب المواطنين من الشوارع في بيروت ومختلف المناطق اللبنانية خصوصا ان اكثريتهم تطالب باسقاط كل المسؤولين «كلن يعني كلن» وان وجعهم هو وجع كل الطوائف في لبنان، ووضعهم الاقتصادي مترد ومتراجع وفي حالة يرثى لها وتجاوز خط الفقر.

هذا السؤال بدت ملامحه من خلال رفض اكثرية المتظاهرين ويصرون على رحيل الطبقة السياسية.

على أية حال، فاليوم يعتبر يوماً مفصلياً في تاريخ لبنان ان على صعيد النظام الاقتصادي الذي كان سائداً طوال الـ30 سنة الماضية او على صعيد النظام السياسي في ظل رفض الحراك الشعبي النظامي والمطالبة بنظام جديد يصوّب باتجاه معالجة الخلل من الفساد والهدر والاتكال على الاقتصاد المنتج بعد ان رعويا يعتمد على الخدمات العامة والمساعدات الخارجية.

لا يبدو ان الامور متجهة نحو الفوضى بعد ان ظهرت ملامح ان لا ضرائب ستوضع لتخفيض العجز وبالتالي فإن الورقة الاقتصادية تقترب من الواقع بعد ان تحمل الجميع المسؤولية في الموافقة عليها واعلنوا الاستعداد للتقيد بها، عدم النظر بفوقية الى جيوب المواطنين بعد ان حاولوا الاقتراب من خصوصية هؤلاء المواطنين بفرض الضريبة على الواتساب، كما ان اليوم هو بداية الاسبوع ومن المفروض ان يكون يوم عمل عادي، ولكن مع استمرار التظاهرات واقفال الطرقات فإن ملامح ازمات معيشية بدأت تطل برأسها من خلال بيانات لنقابات الافران التي تطالب بفتح الطرقات لوصول الطحين وغيرها من النقابات التي باتت تشعر بنقل هذه الاوضاع المعيشية، مع استمرار الفلتان في السوق الثانوية وبيع الدولار بأسعار تجاوزت المعقول واقفال السوق الاساسية والقطاع المصرفي.

الورقة الاقتصادية التي يعدها وسيعلنها الرئىس الحريري يجب الاسراع في انجازها ووضع مشاريع قوانين لاهم المطالبات الشعبية كقانون استرداد الاموال المنهوبة ووضع آلية لمحاربة الفساد والهدر، لان الاوضاع المعيشية لا تحتمل التأخير في ظل استمرار التظاهرات والاضرابات واقفال البلد وما يترتب على ذلك من خسائر جسيمة ستتعرض لها القطاعات الاقتصادية المختلفة.

تعويم «النظام الاقتصادي» على المحك فإما الاسراع تلبية المطالب الشعبية والمساهمة في تجديد نفسه على اسس جديدة تعطي مساحة جديدة من الانضباط الاقتصادي وتحقيق العدالة الضريبة...

«الورقة الاقتصادية» ضرورة اقرارها بسبب الاوضاع النقدية والمالية والاقتصادية وعدم الموافقة على اقرارها يعني الاتجاه الى المجهول والفوضى خصوصا اذا كان عنوانها عدم فرض ضرائب وعجز في الموازنة يساوي صفرا من خلال مساهمة القطاع المصرفي بخمسة الاف مليار ليرة ومن خلال التعويل على مندرجات «سيدر» التي ستؤمن فرص عمل وتحديث البنية التحتية، والاهم من كل ذلك اعادة الثقة الى الدولة والاقتصاد.

كل ذلك لان «التغيير» قادم ومحاولات الانقاذ لا تحتمل التأجيل.