لطالما كتبنا في الديار ونقلنا اجواء طرابلس الشعبية، وأكثر من مرة لفتنا الى ان الاوضاع في طرابلس لامست مرحلة الانفجار الاجتماعي والثورة الشعبية نتيجة تردي الاوضاع المعيشية وارتفاع منسوب الفقر والجوع والبطالة في العاصمة اللبنانية الثانية التي تحولت الى عاصمة للفقر وحزام بؤس وحرمان.

هذه المرة ساحة عبد الحميد كرامي غير كل مرة، والمشهد فيها ينبىء بأن طرابلس كما بقية المناطق اللبنانية دخلت مرحلة الانفجار والثورة وان المارد الطرابلسي خرج من القمقم ليطالب بلقمة العيش الكريم..

لم تعد ساحة عبد الحميد كرامي (ساحة النور) كما كانت في السابق خلال السنوات القليلة الماضية، بل باتت ساحة حاضنة لكل شرائح المجتمع الطرابلسي من كل الطوائف والمذاهب والاطياف السياسية، وهذه المرة كانت ساحة حاضنة لاضخم حشد شعبي لم تشهده من قبل حتى ايام التحريض المذهبي والطائفي..

كان لافتًا في اعتصام طرابلس الغاضب ضد كل اركان السلطة سواء في السلطة حاليا او سابقًا، حيث اعتبر المتظاهرون ان كافة رموز السلطة التي شاركت منذ ثلاثين عاما شريكة في الفساد والفقر والحرمان والظلم والقهر، لذلك اي محاولة مشاركة من اي جهة سياسية ستكون نتيجتها شبيهة للمشهد الذي حصل مع النائب السابق مصباح الاحدب الذي حاول امتطاء الساحة وإلقاء كلمة فكان رد المتظاهرين عليه طرده بأبشع العبارات والهتافات.

وحده العلم اللبناني يخيم على ساحة المتظاهرين الذي رفرف فوق رؤوس المشاركين من كافة الشرائح الشاب والفتاة والشيوخ والنساء وطلاب وطالبات ونقابات وجمعيات ومهندسين وأطباء ومعلمات وأصحاب مهن مختلفة احتشدوا في الساحة منذ ساعات الصباح الأولى للتعبير عن غضبهم مما آلت اليه ظروفهم المعيشية الصعبة بسبب زيادة الضرائب على كافة السلع حتى ربطة خبز لم تسلم من جشع السلطة المستمرة في البحث عن فرض ضرائب جديدة.

كان لافتًا الأجواء الحماسية التي عمت ساحة الاعتصام من خلال الأغاني المتصاعدة خصوصا مشاركة فرقة كورال الفيحاء التي شاركت بأغان وطنية كذلك فرق الزفة التي زينت الساحة بدبكة فلكلورية اضافة الى تجسيد مقاطع مسرحية مستوحاة من أفلام عالمية كفيلم «الجوكر» حيث وقف شبان يعرضون مقتطعات تمثيلية وهذه الشخصية نجحت في القضاء على الفساد والمفسدين ومنحت الطبقة الفقيرة كل الاحتياجات الحياتية.

وألقيت كلمات في ساحة الاعتصام لعدد من الهيئات الشعبية والجمعيات النسائية التي حذرت بدورها من الاستمرار بهذا الوضع السيء باستمرار الطبقة السياسية في الحكم دون محاكمة وأكدوا على متابعة الاعتصام وان التظاهرات مستمرة إلى حين رحيل كل اركان السلطة وتحقيق كافة مطالب الشعب المحقة.

وكان لافتًا توافد الحشود في ساعات الصباح الاولى من يوم امس لكن الحشود وصلت الى الآلاف بعد الساعة الثالثة التي قدمت من كل المناطق من التبانة وجبل محسن والزاهرية والقبة وابي سمراء والأسواق وباب الحديد والحدادين والميناء ومناطق أخرى واللافت ان كافة الشرائح ومختلف الطوائف مسيحيين ومسلمين وسنة وعلويين وقفوا في ساحة واحدة وطالبوا برحيل السلطة وأكدوا ان مطالبهم للخروج من الساحة هي استقالة الرؤساء الثلاثة وإجراء انتخابات نيابية مبكرة ومحاكمة الوزراء الحاليين والسابقين ومصادرة اموال الدولة المنهوبة وتأمين وظائف للشباب والشابات ووقف الظلم بحق ابناء طرابلس من ملاحقة وتوقيف وإلغاء كل محاضر الضبط وغيرها من ظلم الحكومة الحالية والتي لا تستحق الا تسميتها حكومة الضرائب.

واللافت ان المحتجين لم يدعوا صورة للحريري ولميقاتي وكبارة وكل نواب المدينة الا وانزلوها ومزقوها واعتبروا ان هؤلاء لا يمثلون المدينة.

وعمل حراس المدينة على ازالة اثار الحرائق جراء حرق الدواليب وتكسير بعض واجهات المحلات التجارية خصوصا محلات باتشي للشوكولا في منطقة الجميزات بعد وصول معلومات ان هذه المحلات تابعة للوزير محمد الشقير الذي كان السبب بإطلاق شرارة الانتفاضة في لبنان.

واكدت مصادر متابعة ان نواب طرابلس خصوصا الرئيس نجيب ميقاتي وسمير الجسر ومحمد كبارة وفيصل كرامي يعيشون حالة قلق وترقب من الساعات المقبلة خصوصا بعد توجه المتظاهرين في اليوم الأول من ثورة الجوع الى محيط منزل الرئيس ميقاتي في محاولة اعتبرت فاشلة لدخول قصره بعد تدخل الجيش اللبناني وتأمين الحماية وبعد ذلك توجهوا الى محيط منزل كرامي وحصل تلاسن بين المعتصمين والحرس بالرغم من اعلان كرامي تأييده للثورة الشعبية وانتشرت دوريات للجيش اللبناني أمام كافة منازل النواب والوزراء خشية وقوع أي صدام جديد.

وعملت فرق الصيانة في بلدية طرابلس على ازالة اثار الحرائق من شوارع المدينة وجرى يوم امس تنبيه جميع المتظاهرين بعدم إشعال الدواليب لانها بالدرجة الاولى مضرة بالصحة والبيئة لذلك تم قطع الطرقات بأكياس الرمل عوضا عن الإطارات المحروقة.

كذلك أضيئت الشموع في مدينة الميناء من قبل شبان وشابات عند الكورنيش البحري احتجاجا ضد الفساد ولاحقاق الحق بين المواطنين والتوجه نحو مجتمع افضل ومواطنة حضارية.

ويمكن القول ان هذا الحشد الطرابلسي غير مسبوق في تاريخ طرابلس مما اوحى ان الوجع الطرابلسي بلغ الذروة فخرج معظم الطرابلسيين من كل الاتجاهات للمشاركة في مشهدية طرابلسية يمكن القول انها اعادة اللحمة الى نسيج طرابلس الطائفي والمذهبي والسياسي وما فرقته السياسة في طرابلس وحده الفقر والجوع والحرمان ..