الجوع والفقر والبطالة والهجرة هو من قاد المتظاهرين عفويا الى الشارع في مواجهة النظام السياسي والسلطة الطائفية التي افرزها والتي تمنع قيام الدولة، وعدم استباحة المؤسسات من الاحزاب والقوى الطائفية والمذهبية، التي تحصل على المكاسب والمغانم من الدولة، من خلال محاصصة معلومة، يتقاسمها خماسي، كان ثلاثيا في زمن الوجود السوري.

فالحراك الشعبي في كل لبنان، حمل شعاراً وعنواناً واحداً، وهو تحميل السلطة مجتمعة سواء التنفيذية منها (مجلس الوزراء) والسلطة التشريعية (مجلس النواب)، وقد فصل الدستور بينهما، لكن الكتل النيابية في غالبيتها ممثلة بهذه الحكومة كما في حكومات سابقة منذ ما بعد الطائف وبعد خروج القوات السورية من لبنان فغابت سلطة الرقابة والمحاسبة عن الحكومة التي لم تسقط واحدة منها في مجلس النواب بحجب الثقة عنها، الا ما ندر وبعد تحرك في الشارع ولاسباب عدة.

فما حصل في اليومين الماضيين، ويستمر من خلال التظاهر الشعبي، من دون دعوات من احزاب السلطة اقله هو ما تأكد من العديد من المناطق التي تحركت دفاعا عن حقوقها، اذ جمعت ساحتي الشهداء ورياض الصلح اللتين انقستما في العام 2005 بين 8 و14 آذار وعلى غير عنوان الوضع الاجتماعي والاقتصادي بل على شأن استراتيجي يتعلق بالمقاومة وسلاحها والعلاقة مع سوريا والصراع الذي كان يدور على لبنان والمنطقة بين مشروع اميركي «للشرق الاوسط الجديد» روج له الرئيس الاميركي جورج بوش الابن، ويواجهه محور اقليمي من ايران الى سوريا مرورا بالعراق وصولا الى لبنان سمي بـ «محور المقاومة».

اما في هذه المرحلة فان اللبنانيين موحدون في ساحة واحدة في رياض الصلح والشهداء، وهو ما كان في مدن اخرى كطرابلس وصيدا وصور والنبطية وبعلبك والمتن الشمالي وكسروان وجبيل والبترون الى الكورة وعكار حيث كان لافتا الحضور الشبابي في هذه التظاهرات التي تخطت الاحزاب الحديثة منها والقديمة، وكلها كانت في السلطة وتولتها منذ عقود، والبعض منهم يحكمون طوائفهم منذ قرون والجميع مارسوا الحكم من الاحزاب المسيحية منذ الكتلة الوطنية الى الدستورية فالشمعونية (حزب الوطنيين الاحرار) ثم الشهابية التي حكمت عبر المخابرات (المكتب الثاني) وان كانت فترة رئاسة فؤاد شهاب تميزت باصلاحات والعبور من الطائفية كما حكم الرئيس سليمان فرنجية (تيار المردة فيما بعد) وكذلك حزب الكتائب وثلاثة قادة من الجيش اميل لحود وميشال سليمان واخيرا العماد ميشال عون الذي اسس «التيار الوطني الحر».

وفي الجانب الاسلامي، مع انقراض احزاب وتيارات وعائلات سياسية فانه وبعد اتفاق الطائف ظهرت الحريرية السياسية (تيار المستقبل) داخل الطائفة السنية مع ظهور شخصيات في بعض المناطق كالرئىس نجيب ميقاتي، وبعده الرئيس تمام سلام الذي يعمل تحت عباءة «تيار المستقبل» كما الرئيس فؤاد السنيورة اضافة الى استمرار آل كرامي في العمل السياسي، وظهور النائب عبد الرحيم مراد رئىس حزب الاتحاد كحالة ناصرية باقية مع التنظيم الشعبي الناصري في صيدا وهذه التعددية السياسية داخل الطائفة السنية فان فيها آحادية مارست السلطة منذ ما بعد الطائف وهي ممثلة بالحريرية السياسية الا لفترات قليلة في بداية عهد الرئىس اميل لحود الذي تعاون مع الرئيس سليم الحص، لانقاذ الوضع المالي والاقتصادي، واخراج لبنان من سياسة الحريري الاقتصادية التي اوقعت لبنان في الدين العام وخدمته، التي تتراكم كل عام، وهي بلغت في موازنة 2019 نحو 5.5 مليار دولار، اي ما نسبته 35% منها.

وفي الجانب الشيعي، فان حركة «أمل» تقدمت منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، المشهد السياسي، وشاركت في السلطة، بعد ان انحسر وغاب دور العائلات السياسية، داخل الطائفة الشيعية كآل الاسعد والخليل، مع بقاء نائبين هما عادل عسيران وعبد اللطيف الزين في «كتلة التحرير والتنمية»، التي ترأس رئيسها نبيه بري مجلس النواب منذ العام 1992 دون انقطاع، في وقت كان «حزب الله» في مجلس النواب وخارج الحكومة التي دخلها في العام 2005، ليحمي المقاومة، وقد بدأ يشعر انه امام مسؤولية، محاربة الفساد الذي اوصل لبنان الى ازمة مالية واقتصادية، واكد أمينه العام السيد حسن نصرالله انه سيحارب الفساد، وهو وعد قبل الانتخابات النيابية، انه ستكون مهمته الاساسية، وكلفها النائب حسن فضل الله لكشف الفساد، ولكن لم يحصل اي تقدم في هذا المجال، بالرغم من فضح اوكار الفساد.

وفي السلطة، الحزب التقدمي الاشتراكي، منذ عقود وهو من الذين يتحملون المسؤولية، وان كان يطل من وقت لاخر، بعناوين اصلاحية، وتكون الجرأة عند رئيسه وليد جنبلاط، انه يعترف بوجود «دفترين» لديه، وحصل هدر في وزارة المهجرين وصندوقها، انما هذا لا يكفي، وهو ما يضعه عند المتظاهرين امام المسؤولية.

وان المسؤولية الكبرى، يتحملها «التيار الوطني الحر» الذي اوصل مؤسسه الى رئاسة الجمهورية كصاحب شعار «الاصلاح والتغيير» الذي لم يحصل بعد مرور ثلاث سنوات من العهد الذي لم يعد قوياً، وقد تظاهرت المناطق التي يمثلها لا سيما في جبل لبنان، اضافة الى تظاهرة وصلت الى طريق القصر الجمهوري، اذ ان الخيبة اصابت عونيين او اعضاء في «التيار الحر» قبل غيرهم، من ان الشعار شيء، والممارسة شيء آخر.

و«القوات اللبنانية» تقدم نفسها اصلاحية ايضاً، لكن ترجمة ذلك، لم يظهر من خلال الممارسة، وهي دخلت في «تفاهم معراب»، لتقاسم الحصة مع «التيار الحر»، الذي لم يف بعهده، وان التهديد بالاستقالة من الحكومة، هو ما قد تلجأ اليه، لاخراج نفسها من الازمة القائمة.

وليس «الثنائي المسيحي» يتحمل المسؤولية، فان احزاباً شاركت في السلطة، ولو بنسب مختلفة.

فالازمة تبقى في النظام السياسي، الذي لم تقم اصلاحات فيه، اقرها اتفاق الطائف، كالغاء الطائفية، واصدار قانون الانتخاب خارج القيد الطائفي، والغاء طائفية الوظيفة، واذا لم يحصل اصلاح متأخر في النظام، فان الازمة ستبقى، مع عدم وجود قيادة للحراك الشعبي، ولا برنامج لها، وهو مقتلها، ويترك للمندسين ان يدخلوا فيخربوا، لتشويه الحراك المدني والشعبي الحضري، وهو ما ظهر في التظاهرات التي شابتها بعض الاخطاء المنفعلة والغاضبة والفردية.

فالمسألة في الحراك الشعبي ما زالت هي هي، منذ ان انطلقت في عام 2015، ضد النفايات، اذ ظهر مستغلون لها، سواء في الظهور الاعلامي، والبعض في العمل بتوجهات خارجية.