لا تزال الثورة الشعبية مستمرة في مختلف المناطق اللبنانية، فقد قرّر الشعب النزول الى الشارع والتظاهر سلمياً ضدّ الطبقة السياسية الحاكمة التي لم يعد يثق بكلامها ولا بوعودها التي تقطعها عليه منذ عقود ماضية، حاملاً العلم اللبناني الذي استعاض به عن سائر الأعلام الحزبية التي كانت تسود التظاهرات السابقة. وإذ أعطى رئيس الحكومة سعد الحريري نفسه والمكوّنات السياسية في حكومته، ومن ضمنها الحلفاء الذين عقد معها تسوية سياسية لإنقاذ البلد، مهلة 72 ساعة، على ما أعلن في كلمته التلفزيونية التي ألقاها من السراي الحكومي مساء الجمعة المنصرم بهدف تصحيح الوضع الإقتصادي المتردّي، لم يُرضِ هذا الكلام المتظاهرين إذ سخروا منه بالقول «إنّهم خلال 29 عاماً لم يستطيعوا أن يعملوا بلد، فهل سيتمكّنوا من القيام بذلك في غضون 72 ساعة فقط؟!

ولأنّ الشعب لم يقتنع بكلمات السياسيين من الرئيس الحريري الى وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، على ما قال بعض المتظاهرين في رياض الصلح، عادوا الى الشارع بعد أن تمّ طردهم منه بالقوّة مساء الجمعة. فالوعود التي أتت على لسان السياسيين وصفها المتظاهرون بأنّها مجرد وعود اعتادوا عليها طوال السنوات الماضية تهدف الى إخراجهم من الشارع، وهي بمثابة «البنج» للمريض وليس الدواء الناجع. ولهذا فهم لن يخرجوا منه بل سيفترشون الأرض الى حين تحقيق مطالبهم.

وما هي هذه المطالب التي لا تبدو واحدة في مختلف التظاهرات التي تعمّ المناطق اللبنانية، أوضح أحد المتظاهرين بأنّه جرى توحيدها، وهي مطالب واضحة جرى إيرادها في هاشتاغ «لبنان ينتفض/يسقط حكم المصرف»، تحت عنوان «العناوين المطلبية» وهي على النحو الآتي: إستعادة الأموال المنهوبة- إقرار الضرائب التصاعدية على الأثرياء - رفع الحصانات- التصويب على منظومة المصارف - الأملاك البحرية - تغيير قوانين التلزيمات والتدقيق بكلّ التلزيمات - رفع الضرائب على أرباح المصارف- رفع السريّة المصرفية - التدقيق بكلّ ما أنفقته الصناديق (خصوصاً مجلس الإنماء والإعمار) منذ العام 1993- تطهير الأجهزة الرقابية والقضائية من الفاسدين- إقرار قوانين لشفافية المعلومات والمناقصات العامّة وإنهاء إعفاءات رسوم سوليدير.

غير أنّ هذه المطالب لم تكن نفسها التي جاءت على لسان بعض المتظاهرين في ساحة رياض الصلح، فقد قال أحدهم لـ «الديار» إنّ «الهدف من التظاهر هو لإسقاط الحكومة الحالية وتشكيل حكومة تكنوقراط خارج نطاق الطقم السياسي الحالي، وإجراء إنتخابات نيابية مبكرة على أساس النسبية وفقاً للبنان دائرة واحدة خارج أي قيد طائفي». فيما طالب متظاهر آخر بتأمين البطاقة الصحيّة للجميع دون استثناء، وبدعم الزراعة لكي يتمكّن المزارعون اللبنانيون من تصدير منتوجاتهم الى الخارج وعدم كساد المواسم. وذكرت سيدة مسنّة بأنّها تُريد إقرار ضمان الشيخوخة على غرار البلدان المتطوّرة الأخرى، وقالت أخرى «إنّنا لسنا بحاجة الى أموال «سيدر» في حال كانت الحكومة خائفة من أن تؤثّر تظاهرات الشعب على عدم إقراضها من قبل الدول المانحة للبنان إذ يكفينا ديون، وأموال «سيدر» ستضيف الى ديون لبنان مبالغ إضافية كبيرة لن يتمكّن من تسديدها». وشدّد متظاهرون آخرون على أنّ «إسقاط الحكومة لا يكفي الشعب الجائع والفقير إنّما نحن نُطالب باسترداد مليارات الأموال المنهوبة من الوزراء والنوّاب السابقين والحاليين بأي طريقة ممكنة، إن عبر حجزهم في مكان واحد ليُعيدوا الأموال أو بأي وسيلة أخرى.. المهم استعادة الأموال التي سرقوها من الشعب لدفع ديون البلد».

أمّا سلّة القرارات الإنقاذية التي طرحها الرئيس الحريري أمس، في ورقة إقتصادية وناقشها مع لجنة من الخبراء الإقتصاديين لعرضها سريعاً على الوزراء بهدف قبولها والبدء بتطبيقها، وهي بمثابة مبادرة تُحاكي الوضع المالي والإقتصادي والمطالب الشعبية، فرأى فيها المتظاهرون كلاماً سبق وأن سمعوه ويحتاج الى عصا سحرية ليُصبح واقعاً حقيقياً، لهذا فهم اليوم ينتظرون النتائج خلال المهلة التي أعطاها الحريري. علماً أنّ هذه المبادرة تضمّنت البنود الآتية: استقرار الوضع وتعزيز الحماية الإجتماعية وتقديمات لذوي الدخل المحدود- خفض خدمة الدين وتصفير العجز وستكون مساهمة أساسية للقطاع المصرفي في هذا المجال العام المقبل- إلغاء كلّ الضرائب والرسوم التي جرى الحديث عنها قبل التحرّكات الشعبية- إقتراحات للحدّ من الفساد في مختلف المجالات وإدارات الدولة- تأمين الكهرباء في العام المقبل وتسريع تنفيذ مشاريع «سيدر».

ولأنّ مهلة الـ 72 ساعة التي أعطاها الحريري تنتهي يوم الإثنين المقبل الذي كان يُفترض فيه، في الأحوال العادية، إحالة مشروع موازنة العام 2020 من الحكومة الى مجلس النوّاب، فإنّ المتظاهرين قرّروا، على ما أكّدوا لـ«الديار»، البقاء في الشارع الى حين انتهاء هذه المهلة التي هي قصيرة جدّاً بالنسبة الى كلّ السنوات الماضية التي تحمّلوا فيها السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة. غير أنّ أحد المتظاهرين الشباب شكّك في أن يتمّ إيجاد الحلول لجميع مطالب الشعب خلال 72 ساعة، قائلاً: «سننتظر ونرى لكننا لن نخرج خلال هذه المهلة من الشارع.. وأكثر ما نخشاه هو أن يتمّ التجديد، بعد انتهاء هذه المهلة لـ 72 ساعة إضافية أخرى، وهكذا دواليك».