بغضّ النظر عن الإرتدادات التي ستنتهي إليها تطوّرات الساعات القليلة الماضية في لبنان، إن على السُلطة ككل، أو على الأوضاع الداخليّة بمُختلف مُستوياتها السياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة والحياتيّة، إلخ. كثرت التساؤلات بشأن أسباب تفجّر الغضب الشعبي الميداني بهذا الشكل الواسع خلال فترة زمنيّة قصيرة جدًا، وما إذا كانت أي جهات داخليّة أو خارجيّة فاعلة تقف وراء هذه الإنتفاضة.

بحسب أوساط سياسيّة مُستقلّة، إنّ الغضب الشعبي الذي تفجّر بدأ بتحرّك عفوي لشرائح واسعة من الناس تُعاني من ضائقة مالية خانقة، ومن صُعوبات معيشيّة لا تُحصى، نتيجة إرتفاع نسبة البطالة، وغياب فرص العمل، والركود الإقتصادي المُخيف. وقالت إنّ هذا الغضب الذي نما ككرة ثلج بسرعة خاطفة، دفع أغلبيّة القوى السياسيّة إلى مُواكبة جُمهورها الغاضب، بعد أن لمست حجم الإمتعاض العام، بالتزامن مع إلقاء الجمعيّات غير الحزبيّة بكامل ثقلها في الشارع، نتيجة مُلاحظتها جوًّا شعبيًا مُختلفًا هذه المرّة في التعبير عن الإمتعاض من الأوضاع السائدة. واضافت الأوساط نفسها أنّ الميزة الأبرز لتظاهرات الساعات الأخيرة تتمثّل في إندفاع آلاف المُتظاهرين الجُدد والذين ينزلون إلى الشارع للمرّة الأولى، لمُلاقاة زملاء لهم إعتادوا التعبير عن غضبهم في الشارع. ورأت أنّ الأزمة الإقتصاديّة القاسية جدًا على الجميع، دفعت الكثير من المُتظاهرين إلى تغليب نقمتهم على الأوضاع الحياتيّة، على إنتمائهم السياسيّ والحزبيّ والطائفي والمذهبي.

وكشفت الأوساط السياسيّة المُستقلة أنّه إلى جانب الشق الإقتصادي الذي وحّد اللبنانيّين جميعهم، يوجد شقّ سياسي حرّك العديد من الأطراف. وأوضحت أنّه في الساحة المسيحيّة، تحرّك مُناصرو كل من «القوات» و»الكتائب» و«المردة» بشكل عفوي وغير مُنسّق بطبيعة الحال، من دون توجيهات من قياداتهم في بداية الأمر، بسبب الإحتقان السياسي الذي يُعانون منه بفعل أسلوب رئيس «التيّار الوطني الحُرّ» الوزير جبران باسيل في التعاطي السياسي، الأمر الذي دفعهم إلى صبّ جام غضبهم على العهد ورئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون. وأضافت أنّه في الساحة الدرزيّة، لاقاهم مُناصرو «الإشتراكي» بفعل العلاقات السيّئة مع «التيّار» حاليًا، وردًا على سياسة التحدّي ضُدّهم والإعتقالات المُستمرّة التي تطالهم. ورأت أنّ الساحة السنّية، ومن ضمنها مُناصرو «المُستقبل» تحرّكت بسبب الإحباط من تردّد وضعف رئيس الحُكومة سعد الحريري في الإمساك بزمام الأمور وفي التصرّف كرئيس قوي للسُلطة التنفيذيّة يرفض تعدّي أحد على صلاحيّاته، أو عتبًا عليه وغضبًا منه من قبل مُعارضين للتيار الأزرق من الناحيتين السياسية والإقتصاديّة، بينما الساحة الشيعيّة تحرّكت لأنها إعتبرت أنّ «الثنائي الشيعي» يتساهل مع الفاسدين ولا يقف بوجههم كما يجب، وهو ما يجب أن يتوقف فورًا، مع التذكير مُجدّدًا أن هذه الدوافع السياسيّة كانت محدودة نسبة إلى الدوافع الإقتصاديّة الحياتيّة والمعيشيّة.

في المُقابل، إستغربت أوساط سياسيّة مَحسوبة على «التيّار الوطني الحُرّ» التهجّم على العهد وعلى رئاسة الجُمهوريّة، علمًا أنّ رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون لا يملك أي صلاحيّات تنفيذيّة، ما يَستوجب توجيه أيّ لوم إلى السُلطة التنفيذيّة المُمثّلة بالحكومة ككل. وإنتقدت الأوساط نفسها التعرض للرئيس الذي رفع ورقة إصلاحية كاملة ومُتكاملة، لم يتمّ تبنّيها من جانب السُلطة التنفيذية التي ذهبت إلى خيارات وإلى قرارات خاطئة، بدلاً من الإنكباب على مُعالجة الأوضاع، بالشكل اللازم وبالسرعة المطلوبة.

وبالعودة إلي الأوساط السياسيّة المُستقلّة، فقد رأت أنّ هذا التحرّك الشعبي أعاد خلط الأوراق داخليًا، وأضاء على سلسلة من الحقائق التي لم يعد مُمكنًا تجاوزها، وأبرزها عدم قُدرة أي سُلطة على فرض أي ضريبة جديدة على اللبنانيّين من دون أن تتوقع ردّات فعل غاضبة، وكذلك عدم قُدرة الأحزاب السياسية على تجاهل الأوضاع المعيشية والحياتية لمُناصريها بعد اليوم، خشية إنقلاب هؤلاء عليها عند أوّل محطّة إنتخابيّة!