لم تتوقّف مجموعة الدعم الدولية للبنان عن مراقبة الأداء الحكومي الداخلي بعد، على عكس ما يروّج البعض بأنّها «يئست من لبنان»، وبأنّ «أموال سيدر طارت» بسبب عدم الثقة بما يُمكنها أن تُحقّقه من الإصلاحات المطلوبة خلال الأشهر القليلة المقبلة. فالفترة التي أعطيت للحكومة الحالية لإقرار موازنة العام 2020 علّها تعتمد سياسة تقشّف ناجعة تجعلها تنجح في امتحان الحصول على المساعدات والقروض التي أقرّها مؤتمر «سيدر» وتصل الى نحو 11 مليار دولار، تمرّ سريعاً وتتخلّلها أحداث سياسية تجعل الخلافات الداخلية بين المكوّنات السياسية في هذا البلد تطفو على السطح، ما يطرح أسئلة جديّة حول إذا ما كانت «ستطير» أموال سيدر أم لا.

تهمس أوساط ديبلوماسية أوروبية في أحد مجالسها بأنّ الأمل بالحصول على أموال سيدر لا يزال موجوداً، غير أنّ ما يجري حالياً في البلد يشي باضمحلال هذا الأمل شيئاً فشيئاً. وإذ رفضت التدخّل في الشؤون الداخلية اللبنانية غير أنّها لفتت الى أنّ النكايات والكيديات الحاصلة بين الأطراف السياسية لا تصبّ في مصلحة البلد، بل التهدئة السياسية، سيما إذا ما كانت جميعها تريد إنقاذه من الوضع الإقتصادي والمالي السيئ الذي يمرّ به.

وبحسب ما سمعت وراقبت خلال اليومين المنصرمين فيما يتعلّق بنشوب الحرائق في مناطق عدّة في لبنان، ذكرت بأنّه لا بدّ من انتظار نتائج التحقيقات لمعرفة سبب تنقّل هذه الحرائق من منطقة الى أخرى متباعدة جغرافياً عن بعضها البعض. فإذا كانت مفتعلة أو أنّ بعض السياسيين خلفها أو أي طابور خامس، فهذا يعني أمراً واحداً فقط وهو أنّ مصلحة البلد لا تعلو على المصالح السياسية الضيّقة. كما أنّ المؤسسات تحتاج الى الكثير من الإصلاح لكي تتمكّن من العمل بجديّة وفاعلية في مواجهة أزمات أو كوارث طبيعية من هذا النوع. ولهذا نصحت المسؤولين السياسيين بتخطّي الخلافات في وجهات النظر وببحث هذه الأخيرة على طاولة مجلس الوزراء، واتخاذ القرار المناسب لكلّ ملف خلافي.

وكشفت بأنّ الإتحاد الأوروبي لا يزال يبدي اهتمامه بدعم لبنان إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً وعسكرياً، لكنه ينتظر ما يُمكن أن يُحقّقه المسؤولون الذين يثق بقدراتهم وبوعودهم لتحسين الوضع العام. فمن الأمور الأساسية التي ينتظرها من لبنان هو وقف الهدر واعتماد سياسة تقشفية تمنع تسرّب الأموال أو صرفها على أمور غير منتجة. علماً أنّ الخبراء الإقتصاديون يجدون أنّه أمام لبنان فرصة أخيرة للتصحيح، عليه الإستفادة منها بشكل جدّي لتجنيبه الذهاب نحو الكارثة الحتمية بدلاً من التلهّي بالمناكفات السياسية وإضاعة الوقت سدى.

وفي رأيها، إنّ الإستثمارات في بلد غير مستقرّ سياسياً تُوازي مخاطر إقامة مشاريع إستثمارية في بلد غير مستقرّ أمنياً. ومن هنا، شدّدت على أنّ دول الإتحاد حريصة على الحفاظ على الأمن والإستقرار في البلد، بمقدار حرصها على الهدوء السياسي الداخلي الذي من شأنه أن ينعكس إيجاباً على المستويات كافة. في الوقت الذي أشارت فيه، الى أنّ هذا لا يحصل مع الأسف، وقد بدا ذلك واضحاً في المواجهات الأخيرة بين «التيّار الوطني الحرّ» و«الحزب التقدّمي الإشتراكي»، وسط اتهامات وانتقادات «القوّات اللبنانية»، وارتفاع صوت بعض الأطراف المعارضة.

وختمت الأوساط الديبلوماسية نفسها بالقول بأنّ القرار بيد المسؤولين إذا ما كانوا يريدون فعلاً إنقاذ البلد، وعليهم أن يتصرّفوا سريعاً انطلاقاً من هذه النيّة. أمّا الإستمرار بسياسة الإتهامات المتبادلة والتخوين واستحداث التاريخ والماضي، فلن ينفع أي منهم، بل سيؤدّي بالبلد الى حافة الإنهيار التام من دون أن يتجرّأ أي مسؤول عن الإعلان عن مسؤوليته في جزء ممّا يحصل، ولعلّ هذا هو الأسوأ.