بروفسور جاسم عجاقة

لم يكن ينقص لبنان إلا الحرائق لتتحوّل بعض المناطق فيه إلى مناطق منكوبة! أضرار جسيمة طالت الأحراش والمنازل والبيوت والسيارات التي التهمتها النيران في ظلّ ظروف طقس أقلّ ما يُقال عنها أنها غير إعتيادية في هذا الوقت من السنة. وقدّ أدّت هذه الحرائق إلى نزوح مئات العائلات من بعض المناطق كأننا عدّنا إلى زمن الحرب والتهجير!

وباستثناء إستشهاد سليم أبو مجاهد الذي قضى وهو يُحاول إطفاء النيران، أتت هذه الأخيرة على أكثر من 2.7 مليون شجرة وشوّهت الطبيعة وألحقت الضرر بالعديد من السيارات والمنازل والطرقات. وتُقدّر الخسائر المادّية الأوّلية بحدود الـ 300 مليون دولار أميركي مُعظمها لا يشملها التأمين نظرًا إلى أنها تدخل في باب الكوارث الطبيعية مما يعني أن هذا المبلغ هو عجز إضافي على خزينة الدوّلة التي من المفروض أن تبدأ التعويض على المتضررين بأملاكهم الخاصّة وبالطبع إعادة تأهيل الأحراش في الملك العام.

من جهة أخرى تترقّب الأسواق عمل الحكومة في ما يخصّ الموازنة والإصلاحات المنّوي إرفاقها بها خصوصًا أنه بنهاية هذا الأسبوع، تنتهي المدّة التي أعطاها الرئيس نبيه برّي للحكومة لتحويل مشروع موازنة العام 2020. إذ سيتمّ دعوة لجنة الإصلاحات الوزارية في بداية الأسبوع المقبل إلى قصر بعبدا لبحث الإصلاحات إذا لم يتمّ التوصّل إلى توافق داخل اللجنة وتحويل مشروع الموازنة هذا الأسبوع إلى مجلس النواب.

على صعيد أخر، بدأ العمل على الإصدار الذي تقوم به وزارة المال والذي يظهر من خلال التحليل أهمّية توقيته مع إقرار الموازنة في مجلس الوزراء تحت طائلة فشل الإصدار. لكن بالمطلق، هناك بعض المصارف اللبنانية التي أرسلت رسائل إلى وزارة المال لتُعرب عن إهتمامها بالإكتتاب بهذا الإصدار مع مبالغ فاقت حتى الساعة المليار ونصف مليار دولار أميركي.

 الإصلاحات بمواجهة الإمتيازات 

جلسة مجلس الوزراء البارحة، بحثت في الإصلاحات المنوي إرفاقها في الموازنة. وتُشير المعلومات إلى أن هناك مُشكلة تطال الضرائب التي تمّ بحثها وعلى رأسها الضريبة على القيمة المضافة. وقد قالت المصادر أن الرئيس الحريري الذي يؤيّد رفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 15% على الكماليات كما ورد في ورقة بعبدا، جوبه برفض كل من وزراء حزب الله والتيار الوطني الحرّ. وتقول المصادر أن الرئيس الحريري إستغرب تبديل وزراء التيار رأيهم خصوصًا أنهم وافقوا على هذا الأمر في إجتماع بعبدا المالي الإقتصادي وفي لجنة الإصلاحات. من جهته، أبدّى حزب الله موافقته على زيادة 1% على الكماليات هذا العام على أن يتمّ زيادتها لاحقًا إذا إقتضى الأمر.

على كل هذا الأمر يظهر أن الحكومة تتجه إلزاميًا نحو الضرائب والرسوم والنظام التقاعدي بحكم أن المسّ بالإمتيازات التي يتمتّع بها بعض أصحاب القرار ستؤدّي حكمًا إلى وقف عمل الحكومة. والجدير ذكره أن هناك أربعة أوراق إصلاحية بالإضافة إلى ورقة بعبدا المالية الإقتصادية، قدّمها كلٌ من التيار الوطني الحر، القوات اللبنانية، الرئيس الحريري، والحزب الإشتراكي. وقدّ تمّ البحث في هذه الأوراق في لجنة الإصلاحات التي خلصت إلى إقتراحات تمّ درسها في جلسة البارحة.

والظاهر من المعلومات التي إستحصلنا عليها، أن الإصلاحات التي تمّ التوافق عليها أو في صدد التوافق عليها تتمثّل بـ: قانون جديد للجمارك، قانون للشراء، قانون ضمان الشيخوخة، والقانون الضريبي. وبحسب المعلومات، لم يتمّ حتى الساعة التوافق على إقفال بعض المؤسسات غير المُجدية والسبب يعود إلى تمسّك البعض بهذه المؤسسات.

لذا نرى أن الإصلاح الأساسي في الموازنة سيكون من خلال رفع الضرائب وهذا أمر غير مضمون حتى الساعة نظرًا إلى معارضة وزراء حزب الله وبالتالي فإن المُهلة الدستورية المُعطاة للحكومة حتى الثلاثاء المقبل قد لا تكون كافية لإقرار الإصلاحات.

 إصدار اليوروبوند 

أخذ إصدار سندات الخزينة (اليوروبوند) بقيمة 2 مليار دولار أميركي، طريقه إلى التنفيذ مع توكيل مصرفين لبنانيين ومصرفين أجنبيين (بنك لبنان والمهجر، بنك سوسييته جنرال، سيتي بنك، ستاندرد شارترد) مهمّة تسويق هذا الإصدار. وقد علمت جريدة الديار أن أحد المصارف اللبنانية أرسل رسالة إلى وزارة المال يؤكّد إستعداده الإكتتاب بمليار دولار أميركي في هذا الإصدار مما يُبشر بأن الإكتتاب في طريقه إلى النجاح.

نجاح الإكتتاب يختلف بإختلاف المعايير المُستخدمة لتقييمه. ولعل أهمّ معيارين حاليًا هما: حجم الإكتتاب الخارجي إن مباشرة أو بواسطة المصارف اللبنانية، وسعر الفائدة على هذه السندات. وبما أن وزارة المال هي من تُشرف على هذا الإصدار ولا دخل لمصرف لبنان به، لذا فإن مصداقية الحكومة في تنفيذ الإصلاحات هي الأمر الأساسي في هذا الموضوع. من هنا نرى أن سعر الفائدة على هذا الإصدار بالإضافة إلى حجم الإكتتاب الأجنبي سيتعلّق بشكل أساسي بتنفيذ الحكومة الإصلاحات الواردة في تقارير وكالات التصنيف الإئتماني كما وإحترام المهل الدستورية، وإحترام تنفيذ خطّة الكهرباء. الإكتتاب بكامل المبلغ سيحصل حكمًا وهذا أصبح شبه أكيد، إلا أن سعر الفائدة سيكون له تداعيات على الخزينة العامّة وعلى الدين العام. من هذا المُنطلق، نرى ضرورة قصوى في إقرار الإصلاحات لإنجاح الإصدار وفقًا للمعايير التي أدرجناها أعلاه.

من جهة أخرى، نستبعد أن يقوم مصرف لبنان بالإكتتاب بهذا الإصدار نظرًا إلى توصية صندوق النقد الدولي في شهر أب المنصرم والتي طلبت بوضوح من مصرف لبنان الإبتعاد التدّريجي عن سندات الخزينة اللبنانية. وبإعتقادنا نظرًا إلى المصداقية العالية لمصرف لبنان لدى المؤسسات المالية الدولية، لن يكون هناك أي إكتتاب في هذه السندات من قبل مصرف لبنان.

 الدين العام 

على صعيد أخر، ما زال عدّاد الدين العام يرتفع حيث وصل في تموّز 2019 إلى 86 مليار دولار أميركي من 85.73 مليار دولار أميركي في شهر حزيران، وبعدما كان قد إنخفض إلى 85.38 مليار دولار أميركي في أيار الماضي نتيجة دفع مصرف لبنان إستحقاق رأسمال عن الحكومة اللبنانية.

بالطبع هذا الرقم أصبح إشكالية واضحة للحكومة اللبنانية مع تقلّص هامش الإستدانة في الأسواق والكلفة العالية على خزينة الدوّلة. إلا أن تحليل هيكلية الدين العام، إن ببعده الداخلي/الخارجي أو بحسب تاريخ الإستحقاق، يُظهر إلى أن الحكومة اللبنانية تتمتّع بهامش لتنفيذ إصلاحات جدّية قبل الوقوع في المحظور.

وتُشير هيكلية الدين العام بحسب تاريخ الإستحقاق إلى أن الدين القصير الامد هو في تقلّص حيث نلحظ أن نسبة الدين بإستحقاقات أقلّ من ثلاث سنوات هي في إنخفاض لصالح إستحقاقات على 10، 12 و15 سنة. وهذا الأمر بالمطلق مُطمّئن نظرًا إلى حجم المبلغ الواجب دفعه لتغطية خدمة الدين العام، يُمكن دفعه من دون إشكالية كبيرة. لكن هذا الأمر لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الحكومة تتمتّع بترف الوقت، لا بل على العكس هناك إلزامية الإسراع في تطبيق الإصلاحات ولجم العجز.

أمّا على صعيد الدين الخارجي، فنرى أن حجمه أصبح يُشكّل 37% من إجمالي الدين العام، وهذا أمر مُقلق نظرًا إلى أن هذا الدين هو بالعمّلة الأجنبية وأن الدوّلة اللبنانية لا تمّلك مدخولا كبيرًا بالدولار الأميركي نظرًا إلى ضعف الصادرات والسياحة.

على كل الأحوال، غياب الإصلاحات يعني أن تصنيف لبنان الإئتماني في نهاية هذا العام سيتمّ تخفيضه من قبل وكالات التصنيف الإئتماني وهنا سيكون لبنان قد دخل رسميًا في أزمة مالية.