مع ارجحية تعمدّ بعض المجرمين والايادي السوداء باشعال النيران في اكثر من منطقة ليل الاثنين ـ الثلاثاء في ضوء بعض المعلومات التي تحدث بأن الفحص الذي اجراه الجيش اللبناني في منطقة بشامون بعد اطفاء الحرائق يظهر وجود مواد شديدة الاشتعال في عدة اماكن من الاحراش نفسها، الا ان تعاطي الحكومة والمسؤولين فضح مدى استلشاق الطبقة السياسية منذ ثلاثين سنة وحتى اليوم، بكل ما يخص حياة المواطن وبيئته وحفظ ما تبقى من احراج وبعد ان اتت الكسارات والمرامل التابعة لمافيات السلطة على الجزء الاكبر من الطبيعة الخضراء في لبنان.

واذا كان اشتعال الحرائق في فترات الذروة من الحرارة مع سرعة الرياح الحارة، يحصل في كل دول العالم، وما زاد من تفاقم الكارثة ـ بحسب مصدر عسكري سابق ـ احتمال وجود عصابات منظمة لجأت الى وضع مواد شديدة الاشتعال في عدد من المناطق لكن الاخطر من كل ذلك، ما تكشف عن عورات السلطات المتعاقبة من حيث الاهمال والسمسرات حتى في قضايا تخص الحفاظ على البيئة في لبنان ومساحاته الخضراء.

ويلاحظ المصدر ان ما جرى في الساعات الماضية من توسع لرقعة الحرائق في عشرات المناطق والتهامها لعشرات الهكتارات من المساحات الخضراء وحرق عدد كبير من المنازل ما كان ليكون بهذا الحجم، لو ان السلطات المتعاقبة وبينها الحكومة الحالية اعطت هذه القضية ما تستحقه من اجراءات وخطوات، بل ان رقعة الحرائق كان يمكن ان تتوسع اكثر بكثير مما بلغته، لولا هذا التضامن الشعبي بين اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم فهذا الالتفاف اعاد وحدة اللبنانيين بينما يقسمه المسؤولين ولولا هطول الامطار بغزارة مساء يوم الثلاثاء.

ويشير المصدر الى ان الفضيحة التي تكشفت فصولها بعد الحرائق، لا تخرج عن سياق الانحدار الحاصل في كل بنيان الدولة ومؤسساتها ومرافقها، وما جرى ويجري من صفقات وتقاسم للحصص وهدر المال العام، دون تنفيذ الحد الادنى من المسؤوليات المنوطة باي وزارة او ادارة او مرفق عام، حتى ان تنقل الحرائق من منطقة الى منطقة وتوسعها الى ساحات واسعة يعيد الى الاذهان عمليات القصف العشوائي خلال مراحل الحروب الداخلية الملعونة، بالتوازي مع استحالة اطفاء الحرائق الناتجة عن عمليات القصف، لكن العجز عن اطفائها يوم الثلاثاء سببه السياسات العشوائية وسياسات المحاصصة وهدر المال العام في الدولة، وليس عدم القدرة على التحرك، ولهذا يلاحظ المصدر انه بالاضافة الى سياسة «تقاسم الجبنة»، فهناك ايضاً ثغرات وتقصير فاضح على مستوى ما كان يفترض ان تقوم به الحكومة الحالية والحكومات السابقة من اجراءات استعداداً لمثل هذه الحالات الطارئة الآتي:

1ـ من خارج الحاجات الضرورية لاطفاء الحرائق، فكل السلطات المتعاقبة تعاطت مع الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها الكسارات والمرامل، وفق الحسابات السياسية والمافياوية، ما نتج عن ذلك تأكل مساحات واسعة من الاحراج دون فرض خطوات مقابلة في الحد الادنى تعيد تشجير المساحات التي تآكلت بسبب ما فعلته هذه الكسارات والمرامل بجبال لبنان.

2ـ لم تتخذ أي خطوات عملية استعداداً لحالات طارئة كالتي حدثت في اليومين الماضيين، بل ان الخلافات والمسمسرات هي التي تكشفت بعد الحرائق، وبخاصة ما يتعلق بشراء طا ئرتي سايكورسكي من حيث ليس فقط عدم صيانتها بل ما يعتري هاتين الطائريتن من مشاكل واعطال.

3- في موازاة التعطيل لهيئة الطوارئ، تعمدت الحكومة وأطراف سياسية مقررة في الدولة، بعدم اصدار المراسيم التطبيقية لتثبيت عناصر الدفاع المدني، او الحاق حراس الاحراج الذين كانوا نجحوا في امتحانات مجلس الخدمة المدنية حتى يمكن الحؤول منع اصحاب الايادي السوداء من اشعال النيران في الاحراج أو ابلاغ الجهات المعنية مع نشوب اي حريق، بينما امكانيات الدفاع المدني وعناصر الاطفاء أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب لمواجهة حالات طارئة كالتي حصلت.

وحتى في كيفية تعاطي المسؤولين مع الحرائق التي حصلت، رغم التقصير المتعمد لسنوات طويلة، فقد تكشف عن مزيد من الفضائح والتقصير، فلا الحكومة تحركت بما تقتضي ضرورات مواجهة الكارثة التي حلت بلبنان، فلم يتم الدعوة لجلسة طارئة، بينما في كل دول العالم تستقيل حكومات او في الحد الأدنى يستقيل او تقال الجهات المعنية عن حصول كارثة بهذا الحجم، بينما كل مَن في الدولة والسلطة والحكومة برّأوا انفسهم ومن سبقهم الى السلطة من المسؤولية عما حصل، فالكل يتهم الكل والكل بريء من وجهة نظره، حتى ان هناك من يعتبر نفسه ممثلاً للشعب ذهب الى تطييف الحرائق بطريقة تعبر عن شبه «افلاس»، واخر لجأ الى اتهام النائب بولا يعقوبيان بأمور غير اخلاقية اوصلتها الى مجلس النواب، لمجرد انتقادها لسلوكه وسلوك من ينتمون الى التيار المذكور. في وقت يلجأ آخرون من سمير جعجع الى وليد جنبلاط ورؤساء سابقون للحكومة على «شن حملة غير مسبوقة بحق الوزير جبران باسيل وبحق سوريا وقيادتها، لان وزير الخارجية يعتزم زيارة دمشق سعياً للوصول الى مقاربات مشتركة تعيد النازحين السوريين، واما التعاطي مع ملفات الفساد والهدر والعجز والازمات التي يعاني منها لبنان بما في ذلك ازمة السيولة بالدولار كلها مؤشرات الى ان «الافلاس» بلغ الطبقة السياسية قبل ان يرتد انهياراً للوضع الداخلي.