لم يتمكن الاكراد، ان يحصلوا على دولتهم، بعد وراثة «السلطنة العثمانية» في الحرب العالمية الاولى، للدول التي خاضتها وربحتها ضدها، لا سيما فرنسا وبريطانيا، اذ خرجوا بلا «وطن لهم»، في اثناء تقسيم المشرق العربي في اتفاقية سايكس - بيكو، بين الفرنسيين والبريطانيين عام 1916، ونال اليهود وعداً من وزير الخارجية البريطانية آرثر بلفور، في عام 1917، بانشاء «وطن لهم»، تكرس في كيانهم الغاصب عام 1948، كما قامت «دولة لبنان الكبير» بقرار فرنسي الجنرال كاترو في عام 1920، حيث كان الزمن في تلك المرحلة، هو انشاء دويلات، عرقية وطائفية ومذهبية، لكن النهوض القومي اسقطها في التصدي لها، من خلال المؤتمر السوري العام سياسياً، والمقاومة التي قامت ضد التقسيم في سوريا ولبنان وفلسطين تطالب بوحدة بلاد الشام.

ومع الغزو الاميركي للعراق، واطلاق الادارة الاميركية برئاسة جورج بوش، مشروعها «للشرق الاوسط الجديد»، من خلال «الفوضى الخلاقة»، كان للاكراد «حكمهم الذاتي» في العراق، استناداً الى دستور فدرالي، صاغه اول حاكم اميركي «لبلاد ما بين النهرين»، بريمر، وهو ما شجع الاكراد في سوريا الى ان يقيموا «ادارة ذاتية» لهم في ظل الحرب القائمة فيها، لكنهم لن يصلوا الى ان يقيموا «دولة لهم» في اماكن تواجدهم في تركيا وسوريا والعراق وايران، وهذه الدول تقف ضدهم في توجههم، وستكون التسوية في سوريا على حسابهم، وفق قراءة باحث سياسي مطلع على ملف تركيا والاكراد، الذي برأيه انه ما جرى قبل قرن، بعدم قيام «الوطن الكردي» لن يتكرر في هذه المرحلة، وهم يواجهون رفضاً من الدول التي يقيمون فيها، وان تناقضت سياساتهم.

والعدوان التركي على شمال سوريا، الذي كان بغطاء اميركي، قد يكون فخ من ادارة الرئيس دونالد ترامب لاغراق الجيش التركي في المستنقع السوري، وتحديداً الكردي، وهي الحرب الممتدة لعقود بين الطرفين، في الداخل التركي وخارجه والتي كان يخوضها «حزب العمال الكردستاني» الافعل بالصراع مع الاتراكي بقيادة زعيمه اوجلان المسجون في تركيا منذ سنوات، والذي تجري الحكومة التركية مفاوضات معه، عندما تريد ان تقيم هدنة مع الاكراد، اذ يشير الباحث المتخصص بان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، قد يكون اخطأ في قراره، وذهب الى الحرب، ضد «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) والتي بدأها في عام 2016 تحت اسم «درع الفرات» ثم في 2018 «غصن الزيتون»، و«نبع السلام» في حربه هذه التي يريد منها قطع دابر «الارهاب»، الذي يراه في احزاب كردية، وليس في تنظيمات اخرى مثل «داعش» او «جبهة النصرة» وجماعات اخرى، رعى وسهل النظام التركي دخولها الى سوريا، حيث كانت بدايات المعارك مع الجيش السوري في «جسر الشغور» وادلب وشرق سوريا وحلب، وان من يسيطر على ادلب واجزاء من الساحل السوري هي «جبهة النصرة»، التنظيم الذي يرأسه ابو محمد الجولاني والتابع لتنظيم «القاعدة»، والمدعومة من ايمن الظواهري، الذي اختلف مع «ابو بكر البغدادي» على اعلان «دولة الخلافة الاسلامية في سوريا والعراق»، واستعجلها.

فكل ما جرى في سوريا، هو من اعداد «حزب العدالة والتنمية» الذي اتى الى السلطة بدعم اميركي، لاسقاط الانظمة القائمة، ومجيء «الاخوان المسلمين» الى الحكم، فتمكنوا في تركيا من الوصول، في العام 2002، لتظهر مع اردوغان «العثمانية الجديدة» فدعيوا ما سمي «ربيع عربي» بدأ في تونس ثم مصر وليبيا واليمن وسوريا، لتمكين «الاخوان المسلمين» من الحكم، وساهمت قطر في دعم تركيا، وتبنت المشروع، وما زالت وهو لم يسقط بعد وان كان يترنح ويلاقي صعوبات، وفق الباحث الذي يرى في العدوان التركي، محاولة في اردوغان، ليس لاقامة ما يسميها «منطقة آمنة» تمتد على طول 120 كلم عند الحدود السورية - التركية، وبعمق 30 كلم، بل استعادة ما سلب من مناطق حلب والموصل يزعم انها تركية.

ولن يكون العدوان العسكري التركي، نزهة لاردوغان في شمال سوريا، بل ان «قوات سوريا الديموقراطية» تقاومه، وهي ليست كردية فقط، بل تضم عرباً وسرياناً واشوريين، حيث يكشف احد الناشطين السياسيين الاكراد عبد السلام احمد لـ«الديار»، عن ان العدوان التركي اذا لم يلجم دولياً واقليمياً، فانه سيتوسع، وان مقاومته ستكون شرسة، حيث يخشى، من ان يكون حصل تواطؤ في مؤتمر استانة، الذي حضرته كل من روسيا وايران وتركيا، بان يقوم اردوغان بعمليته العسكرية، مقابل تنازل في ادلب، وتسهيل الحل فيها.

ويشعر الاكراد، بانهم سيكونون ضحية صفقات دولية - اقليمية، ستكون على حسابهم، بالرغم من مواقف الادانة للعدوان التركي، ومحاولة الرئيس الاميركي شجب ما يقوم به الجيش التركي، ومثله الدول الاوروبية، التي يهددها الرئيس التركي بالنازحين، وانه يسعى الى عودة 5،3 مليون نازح الى سوريا، والى المنطقة التي يدخل اليها في شمال سوريا، حيث يقول الناشط الكردي احمد، بان النازحين من هذه المنطقة عادوا اليها، بعد طرد تنظيم «داعش»، وان باقي النازحين منهم من مناطق سورية عدة، ولا يمكن التذرع بهم.

وبعد اربعة ايام من المعارك، فان الجيش التركي، لم يتمكن بعد من الدخول الى منطقتين اساسيتين هما تل ابيض ورأس العين، حيث يواجه بمقاومة من «قسد»، بالرغم من مساعدة «الجيش السوري الحر» له، وهو المكون من منتمين الى «الاخوان المسلمين» وقوى اسلامية سلفية، اضافة الى بعض البلدات ذات الغالبية العربية، التي تسكنها عشائر، مدت يد العون للجيش التركي يقول الباحث احمد، الذي يشير الى ان لا تواصل مع الحكومة السورية، التي لا يقاتل جيشها مع «قسد»، وقد سعينا الى هذا التواصل، الذي لم ينجح.

ويبدو ان منطقة شمال سوريا، متجهة نحو الفوضى الامنية، مع وجود خلايا لتنظيم «داعش»، الذي اقدم على تفجيرين في القامشلي وسجن في الحسكة، وهو يطلق حملة لتحرير سجنائه والحرائر من النساد، وهذا ما سيؤدي الى هروب مقاتلين من السجون، والتوغل في مناطق لا زالوا فيها، ومنها في بادية حمص، الى خلاياهم في دير الزور وشمال شرق سوريا.

والفوضى التي ستحصل في شمال سوريا وشرق الفرات، واستعادة «تنظيم داعش»، لفاعليته، باعادة ترتيب تمركزه، ستكون لها تداعيات، بدأت في الادارة الاميركية، التي ستتحمل تبعات ما سيحصل، بعد ان تمكنت «قسد» من تحرير المنطقة من المجموعات الارهابية، فان اردوغان التي تهدده ادارة ترامب، بعقوبات، فانه سيقع في مأزق، اذا طال امد المعركة، في ظل تأزم اقتصادي وهبوط لسعر الليرة التركية، وانشقاق واسع داخل حزبه يقوده رئيس الحكومة التركية ووزير الخارجية السابق محمد داوود اوغلو، اذ تتسع المعارضة الداخلية ضد الرئيس التركي، الذي خسر الانتخابات البلدية، في عدد من المدن الرئيسية كاسطنبول، وهو يقاتل لمشروع الاخواني الذي تسبب بحروب في دول عربية، بعضها انتبه متأخراً للخطر التركي.