يُمكن القول بأن مشروع موازنة 2020 كما رفعه وزير المال علي حسن خليل إلى مجلس الوزراء هو شبه مُقرّ من قبل مجلس الوزراء. وعلى الرغم من أن هذا المشروع لا يحوي فرسانًا كما في الموازنات السابقة (عملا بقانون المحاسبة العمومية)، فقد حرص الوزير علي حسن خليل على تخفيض العجز فيه إلى 7.38% )أقلّه على الورق نظرًا إلى المستوى المنخفض لتحصيل الإيرادات(. ويحوي هذا المشروع على بعض الخطوات الإصلاحية وعلى رأسها إخضاع موازنة مرفأ بيروت لرقابة وزارة المال وديوان المحاسبة.

الحكومة اللبنانية كانت قد وعدت سابقًا بإرسال مشروع الموازنة إلى المجلس النيابي قبل الخامس عشر من شهر تشرين الأول الجاري، موعد بدء العقد العادي للمجلس النيابي. وتُشير المعلومات أن بعض الإقتراحات التي تقدّمت بها بعض القوى السياسية وعلى رأسها إلغاء بعض المؤسسات، يُعقّد مسار مشروع الموازنة في مجلس الوزراء وبالتالي، فإنه من الصعوبة على الحكومة الإلتزام بتاريخ 15 تشرين الأول لإرسال الموازنة إلى المجلس النيابي.

الشقّ الإصلاحي الذي وعدت به الحكومة لم يسر كما هو مُتوقّع ولم تتمّ دراسة كل الأوراق الإصلاحية التي تقدّمت بها بعض القوى السياسية وهذا يعني أن الحكومة تمتلك خمسة أيام بما فيها السبت والأحد لبحث هذه الإقتراحات وضمّها إلى مشروع الموازنة (في حال إقرارها). الجدير ذكره أن مجلس الوزراء في جلسته البارحة أقرّ (تقريبًا) دفاتر شروط خطّة الكهرباء في جلسة البارحة والتي تُعتبر إجراء أساسياً للمجتمع الدوّلي خصوصًا للفرنسيين.

وهنا يظهر رأيان: الأول ويدعمه الوزير علي حسن خليل وينص على إقرار مشروع الموازنة بصيغته التي رُفعت إلى مجلس الوزراء على أن يتمّ وضع الإصلاحات في مشاريع قوانين يتمّ إرسالها إلى المجلس النيابي بالتوازي مع مشروع الموازنة. والثاني، ينصّ على وضع كل الإصلاحات (التي تحتاج إلى إقرار في مجلس النواب) في مشروع الموازنة ويتمّ إرسال المشروع كاملا إلى المجلس النيابي لإقراره.

على كلّ الأحوال الإصلاحات الإدارية والإقتصادية والمالية أصبحت ضرورة قصّوى لتفادي الكارثة التي لا يُمكن تفاديها إلا في ظلّ تنفيذ الإصلاحات وتحرير الإسثتمارات من مؤتمر سيدر. أيضًا لا يُمكننا إلا الأخذ بعين الإعتبار الإنفتاح الخليجي على لبنان والذي سيلعب دورًا أساسيًا في إعادة لبنان إلى السكّة الصحيحة.

} الإصلاحات أو الكارثة }

قبل البحث في أهمّية الإصلاحات وتداعياتها الإيجابية على كيان الدوّلة، يتوجّب علينا معرفة أن هناك فارقاً بين الإصلاحات التي يتمّ التداول فيها:

أولا: الإصلاحات المالية: هذه الإصلاحات لها معنى خاص في لغة المُجتمع الدوّلي وبالتحديد صندوق النقد الدوّلي. وتنص هذه الإصلاحات على تأمين توازن في الموازنة عبر تخفيض العجزّ إلى حدّ الوصول إلى التوازن المالي وأيضًا تحقيق فائض. وتحوي هذه الإصلاحات على ثلاثة إجراءات أساسية يفرضها صندوق النقد الدوّلي على كل بلد يطلب مُساعدة الصندوق: الإجراء الأول وهو عبارة عن زيادة الضرائب والرسوم حيث تحتل الضريبة على القيمة المُضافة والضريبة على الدخلّ المراتب الأولى. الإجراء الثاني وينصّ على رفع الدعمّ على السلع والخدمات أي بمعنى أخر تقوم الدوّلة بإلغاء الدعم على السلع الأساسية التي تدّعمها (قمح، كهرباء، النظام التقاعدي، الطبابة، الإستشفاء...). والإجراء الثالث وينصّ على خصخصة المرافق العامّة وذلك بهدف تأمين إيرادات إضافية تسمح بسدّ العجز.

بالطبع بالإضافة إلى هذه الإصلاحات هناك محاربة الفساد التي تفتك بمداخيل الدوّلة إن من ناحية الإيرادات (الجمارك، التهرّب الضريبي...) أو من ناحية الإنفاق (الصفقات العمومية، الإنفاق التشغيلي، الوظائف العشوائية، المؤسسات الوهمية...).

وقد فرض مؤتمر سيدر عددًا من الإصلاحات المالية الإضافية مثل الشفافية في الموازنة والمالية العامّة، حق الوصول إلى المعلومات، آلية شفّافة للمناقصات العمومية...

ثانيًا: الإصلاحات الإقتصادية وهي بمعظمها قوانين وإجراءات تهدف إلى تشجيع الإستثمار وتوجيهه نحو القطاعات الإنتاجية (صناعة، زراعة...). ويتمّ إستخدام الأداة الضريبية لهذا الأمر مع تقليص حجم المعاملات الإدارية (الحكومة الإلكترونية) وبالطبع محاربة الفساد الذي يُعتبر العدوّ الأوّل للإستثمارات (المناقصات العمومية، التهريب الجمّركي...). على هذا الصعيد، يُعتبر رسم الـ 3% الذي تمّ فرضه في موازنة العام 2019 نوعًا من أنواع الإصلاح، أيضًا تُعتبر مشاريع سيدر التي تهدف إلى تأهيل وتطوير البنى التحتية نوعاً من أنواع الإصلاح الإقتصادي نظرًا إلى أن هذه البنى هي أساسية في جذب الإستثمارات.

ثالثًا: الإصلاحات الإدارية وهي عبارة عن إصلاحات تطال القطاع العام الذي بلغ حجمه مستويات كبيرة في الإقتصاد اللبناني خلافًا للنظرية الإقتصادية والأعراف الدوّلية. وتنص هذه الإصلاحات على مسح شامل للقطاع العام مع التوصيف الوظيفي لعاملين فيه مع تحديد الحاجات وذلك بهدف إعادة توزيع العاملين والتخفيف من كتلة الأجور. أيضًا تأتي المكننة في القطاع العام لتزيد من فعّالية العاملين في القطاع العام ومحاربة الفساد المُستشري في الوزارات والإدارات العامّة.

الأن وقد أستوضحنا نوعية الإصلاحات الواجب القيام بها، يتوجّب علينا ذكر أن العجز في لبنان تخطّى المستويات العالمية (أقلّ من 3% من الناتج المحلّي الإجمالي) حيث بلغ العجز المُحقّق في موازنة العام 2018، 11.5% ومن المتوقّع بحسب صندوق النقد الدولي أن تكون نسبة العجز في العام 2019 بحدود الـ 10% خلافًا لـ 7.59% التي نصّت عليها موازنة العام 2019.

مشروع موازنة العام 2020 الذي تقدّم به وزير المال علي حسن خليل، يحوي على عجز بنسبة 7.38% وهي نسبة أقلّ من عجز موازنة العام 2019. ونظرًا إلى تردّي أرقام المالية العامّة (الدين العام سيُقارب الـ 91 مليار دولار أميركي في نهاية العام 2019، تصنيف إئتماني رديء، فوائد على سندات الخزينة مُرتفعة، إنخفاض هامش مصرف لبنان في دعم الخزينة...)، نرى أن نسبة عجز 7.38% ليست كافية لمواجهة التحدّيات. وبالتالي هناك إلزامية لخفض العجز إلى مستويات تُقارب الـ 6% لكي يتمكّن لبنان من تخطّي الأزمة.

المحاكاة التي قمّنا بها تحوي على ثلاثة سيناريوهات:

الأول: سيناريو الستاتيكو أو اللا إصلاحات: وهو سيناريو بفرضية بقاء الأمور على حالها كما هي اليوم. وفي ظل هذا السيناريو، فإن وضع لبنان سيكون حرجًا جدًا في النصف الثاني من العام 2020 حيث من المتوقّع أن تبلغ نسبة الدين العام إلى الناتج المحلّي الإجمالي الـ 200%!!

الثاني: سيناريو مشروع موازنة 2020: وهو سيناريو فرضية مشروع الموازنة مع الإصلاحات الموجودة فيه. وفي ظل هذا السيناريو، فإن جلّ ما ستربحه الحكومة هو مزيد من الوقت أي بدل وصول نسبة الدين العام إلى الناتج المحلّي الإجمالي الـ 200% في العام 2020، سيتمّ تأخير الوقت إلى العام 2021.

الثالث: سيناريو الإصلاحات + إستثمارات سيدر + إستثمارات عربية: وهو سيناريو إفترضنا فيه أن تقوم الحكومة بالقيام بكل الإصلاحات التي سبق ذكرها أعلاه، بالإضافة إلى تحرير أموال مؤتمر سيدر وإستثمارها في البنى التحتية مع زيادة التبادل التجاري مع الإمارات وإستقطاب إستثمارات خليجية بقيمة مليار دولار، وهذا الأمر يفرض كسر الإتجاه التصاعدي للدين العام إلى الناتج المحلّي الإجمالي في غضون عام إلى عامين، لتُعاود أرقام المالية العامّة إلى الأخضر في العام 2025.

} الإنفتاح الخليجي على لبنان }

التداعيات الإيجابية للإنفتاح الخليجي (الإماراتي والسعودي) على لبنان قد تكون سريعة جدًا. فرفع الحظر عن سفر الرعايا السعوديين والإماراتيين إلى لبنان سيسمح للقطاع السياحي بالعودّة إلى مستوياته ما قبل العام 2011 (تاريخ بدء المُقاطعة) وستكون المداخيل فورية. على هذا الصعيد يتوجّب الذكر أن نسبة إنفاق السائح الخليجي هي الأعلى حيث أن إنفاق السياح السعوديين يُشكّل 12% من إجمالي إنفاق السواح في لبنان.

أيضًا على صعيد الإستثمارات، تأتي الإستثمارات الخليجية في قطاعات النفط والكهرباء والبنى التحتية والإتصالات وإدارة المرافق العامّة، لتُشكّل « win-win strategy » للبنان وللخليجيين. فعائدات هذه الإستثمارات ستكون من الأعلى إقليميًا في الوقت الراهن مما يعني إستفادة للمُستثمر، وفي نفس الوقت ستُشكّل هذه الإستثمارات دفعًا قويًا للإقتصاد اللبناني وبالتالي إيرادات الدوّلة من النشاط الإقتصادي.

ولا يُمكن محو فرضية شراء الخليجيين لسندات خزينة لبنانية و/أو إيداع ودائع في المصرف المركزي نظرًا للأهمّية التي يحملها الخليجيون للبنان ولثباته المالي والإقتصادي.

} Take it or leave it}

من كلّ ما تقدّم، نرى أن الطابة الأن هي في ملعب الحكومة اللبنانية ومن خلفها القوى السياسية. وإذا ما أرادت هذه القوى الإستمرار في السلطة، يتوجّب عليها القيام بكل ما تقدّم أو أنها ستواجه غضب اللبنانيين في الإنتخابات النيابية المقبلة. وإذا كان اللعب على الوتر الطائفي قدّ أمّن على مدى سنين تقسيم اللبنانيين، إلا أننا نرى أن توجيع اللبنانيين سيوحدّهم ضدّ القوى السياسية الحاكمة. لذا أمام الحكومة أسابيع وأشهر على أبعد حدّ لتُثبت للبنانيين أنها منهم ومعهم وكل ما تقوم به هو لخيرهم.