حين لا يستطيع دونالد ترامب، بالأرمادا السياسية والعسكرية، تسويق «صفقة القرن»، كمدخل توراتي الى الشرق الأوسط الآخر، كيف يمكن لبنيامين نتنياهو، بالأزمات السياسية والعسكرية والقضائية، تسويق معاهدة «عدم اعتداء» مع دول الخليج ؟

الغاية ليست فقط اختراق المال العربي (أو ما تبقى منه)، وانما بعثرة الحطام العربي أكثر فأكثر. الفرنسي أوليفييه روا تحدث عن «أزمة بنيوية في العقل الاسبارطي، وحيث المكان المثالي للأحذية الثقيلة وللرؤوس الفارغة».

الحرب، بالنسبة الى الدولة العبرية، ليست فقط ضرورة استراتيجية لتقويض كل مظاهر القوة لدى الآخر. هي ضرورة ايديولوجية كي لا يخلد يهوه الى الراحة. ايضاً، ضرورة سيكولوجية لتذكير اليهود بأنهم لن يتعرضوا، مرة أخرى، لا للتيه بين الأمكنة والأزمنة، ولا لأي هولوكوست آخر ما دام الأغيار (الغواييم) يراهنون على اجتثاث. .. الوعد الالهي !

مناحيم بيغن كان يعتبر أن مصر هي القاطرة. اذا ما تم فصلها تبعثرت عربات القطار، وتحطمت. هاجسه (اليهودي) هو هاجس خصمه السياسي دافيد بن غوريون، النبي المسلح، الذي كان يحلم بأن يستفيق، ذات يوم، ليرى غزة، كقنبلة ديموغرافية، وقد زالت من الوجود. مؤسس الليكود كان يحلم بأن يستفيق، ذات يوم، ليرى الفلسطينيين، كترسانة ديموغرافية، وقد زالوا من الوجود.

هذه ثقافة الحاخامات. مئير كاهانا. زعيم «كاخ» لم يكن يرى أن الوعد الالهي يقتصر على «استعادة» الأرض. هو يقضي بابادة العرب. «الملاكة المدمرة جاهزة، دوماً، لتقبل صلواتنا».

كم يبدو يسرائيل كاتس مضحكاً حين يقترح ابرام المعاهدة اياها ! بادئ بدء، هذا اعلان صارخ بأن «صفقة القرن» التي تتبعنا آثارها، على مدى عام كامل، ووريت الثرى. البديل هو المعاهدة. لاحظوا العنوان الفولكلوري «عدم الاعتداء». الدخول من الباب الخلفي، مع ان الحيثية الفلسقية للطرح تشكيل جبهة معادية لآيات الله باعتبارهم العدو المشترك.

التوقيت الغبي. داخلياً، اسرائيل في عنق الزجاجة ما دام الحزبان الرئيسيان في صراع حول تشكيل الحكومة. ثم ان مجريات السنوات الأخيرة أظهرت، مع التطور المذهل في المنظومات الصاروخية، ان اسرائيل التي لا يمكنها القيام بأي عملية عسكرية، دون المؤازرة العملانية، واللوجيستية، من الولايات المتحدة، عاجزة، أيضاً، عن القيام بأي عملية ديبلوماسية، دون المؤازرة العملانية، واللوجيستية، من الولايات المتحدة.

ديبلوماسي خليجي مخضرم سأل «ماذا فعل بنيامين نتنياهو حين كانت ايران تخترق العمق العربي وصولاً الى حدودها مع لبنان ؟». أضاف «ألا يشكل «حزب الله» الخطر الأكبر على اسرائيل بمعادلة توازن الرعب التي أرساها حسن نصرالله ؟ كيف لها أن تعد بحماية الدول الخليجية، وهي لا تستطيع أن تحمي نفسها ؟».

اذ اعتبر أن حرب اليمن كانت المحرقة، وقد كشفت حادثة آرامكو الى أين وصل الايرانيون في مجال التخطيط والتنفيذ، رأى «أن الاميركيين والاسرائيليين كانوا ينتظرون لحظة سقوطنا لتلقفنا كهياكل عظمية».

الديبلوماسي اياه سخر من طرح يسرائيل كاتس الذي بالكاد يذكر أحد اسمه، مقارنة مع موشي دايان، وغولدا مئير، وابا ايبان، وييغال آلون. الطرح جاء اثر الحديث عن احتمال فتح قناة اتصال بين الرياض وطهران. تعليقات في تل ابيب رأت في كلام وزير الخارجية «أكثر من أن يكون كلام الحمقى لأن الأحداث تتجاوزنا، ولا مجال للعب في الزوايا».

ثمة حكومات خليجية وتدعو الى احداث تغيير في المسارات السياسية والاستراتيجية. الطرح أظهر الجانب الكاريكاتوري، والمكيافيلي، من السياسة الاسرائيلية. لا بد من الطريق الآخر. المفاوضات مع ايران أكثر جدوى، واكثر واقعية، بكثير. ..