بخلاف كلّ التوقعات المتشائمة، والتحذير من فترة عصيبة تنتظر لبنان، تبدأ بأزمة مالية واقتصادية وتدفع إلى فوضى سياسية وأمنية، تؤكد مصادر دبلوماسية عربية أن لبنان «مقبل على انفراجات ستتبلور في الأيام والأسابيع المقبلة، تنطلق من عوامل مهمّة للغاية، تؤشّر إلى جنوح الوضع الإقليمي نحو التهدئة، والبحث عن تسويات، تضع خارطة طريق لإنهاء أزمات المنطقة المتراكمة».

التبدلات المنتظرة على المشهد اللبناني، تبلورت مع زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى أبو ظبي، والتي حصدت نتائج إيجابية تظهّرت بإعلان دولة الامارات العربية رفع حظر مواطنيها إلى لبنان، والتعهّد بتقديم مساعدات مالية للبنان، ومشاريع استثمارية في قطاعات مختلفة، وتوقّعت مصادر الحريري أن «تنسحب نتائج زيارة الامارات على جولته التي تقوده الى السعودية وألمانيا وفرنسا، وفي مرحلة لاحقة إلى دول مؤثرة في الوضع اللبناني والإقليمي».

وتعتبر المصادر أن جهود الحريري تسجّل في خانة نجاحاته كرجل دولة، وتذكّر بوالده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي سخّر طاقاته وعلاقاته العربية والدولية لخدمة لبنان، لكنّ المصادر الدبلوماسية تجد في فتح الخليج العربي يديه للبنان واحتضانه، انعكاساً لما يحصل على مستوى المنطقة، وتراجع من مرحلة التصعيد والتلويح بحروب متنقلة أو حرب واسعة، إلى رحاب التسويات». وأعطت مثالاً على ذلك، انكفاء دونالد ترامب وإدارته عن تهديد ايران، وحديث السعودية وايران عن رغبتهما بحوار ينهي خلافاتهما ويرتّب لتفاهم على أمن منطقة الخليج، وإطلاق مبادرة حوثية من اليمن عن وقف استهداف أراضي المملكة العربية السعودية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، شرط أن تردّ السعودية التحيّة بمثلها».

تراجع منسوب التوتر لحساب الانفراج والحلول، لا ينبع من حسن نيّة الإدارة الأميركية بإنهاء صراعات المنقطة، بل لأسباب خارجة عن إرادتها، وبرأي المصادر الدبلوماسية، فإن بقاء سنة واحدة من ولاية ترامب لم تعد تسمح له بشنّ الحروب، وإثارة التوترات، ويكفيه فضيحة اتصاله برئيس أوكرانيا، التي تهدده بعزله قبل اكمال ولايته، وتقضي على آماله بانتخابه لولاية جديدة بدّلت أولوياته»، مشيرة إلى «أوراق قوّة أساسية خسرها ترامب، دائماً ما كان يستخدمها لإزعاج ايران وسوريا، و«حزب الله»، وهي دخول صديقه بنيامين نتنياهو في مأزق سياسي، ينذر برحيله من رئاسة الحكومة الإسرائيلية، ورفع الحصانة ليصبح أمام تحقيق قضائي، وربما يواجه السجن في قضايا فساد، وتلاشي «صفقة العصر» التي روّج لها مع صهره جاريد كوشنر، وإخفاقه الكامل في تحويل القدس عاصمة للدولة العبرية، وفشله الكامل باقناع أي دولة في نقل سفارتها إليها، قبل التوصل لاتفاق وحلّ نهائي ودائم للقضية الفلسطينية».

أبعد من جغرافيا لبنان وجواره، ثمة واقع جديد بدأ يفرض نفسه على المشهد، يكرّس انكفاء القوة الأميركية عن المنطقة، وهذا يبرز في محطّات عدّه أهمها:

أولاً: الحديث المتكرر عن رغبة أميركية بمفاوضات جديدة وجدّية مع طهران، للتوصل إلى اتفاق يشمل الملفّ النووي الايراني والصواريخ الباليستية، وانتشار الفصائل المسلّحة الموالية لها في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

ثانياً: انسحاب القوات الأميركية من شمال وشرق سوريا، وإعطاء الضوء الأخضر لتركيا بشنّ عملية عسكرية واسعة تقضي على عشرات آلاف المقاتلين الأكراد، الذين استخدمتهم واشنطن في معاركها في سوريا، قبل أن تعلن إسقاط ورقتهم والتخلّي التام عنهم.

ثالثاً: الإعلان عن زيارة سيقوم بها الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان إلى واشنطن الشهر المقبل، ما يعني طي صفحة الخلافات مع تركيا كدولة فاعلة في المنطقة وفي حلف «الناتو»، رغم رفض أنقرة الامتثال للعقوبات الأميركية المفروضة على إيران.

رابعاً: توجيه واشنطن رسائل إلى حلفائها في المنطقة خصوصاً العرب منهم، لفتح قنوات الاتصال والحوار مع طهران، بما يقلّص من حدّة التوتر، ويخفف عنها أعباء الخطة الأمنية لممرات النفط في مضيق هرمز، ويعيد حركة الملاحة إلى حريتها المعتادة.

أمام هذه التحولات التي تتسارع وتيرتها، يرى مراقبون، أن لبنان هو المستفيد الأول منها، ويعتبرون أن البلد الصغير في جغرافيته، كبير في طاقاته وموقعه، باعتباره نقطة تواصل الشرق والغرب، ومساحة تجمع كلّ المتناقضات القائمة في المنــطقة، وهذا يشكّل حاجة للعالم يجب المحافظة اليها.