يحمل رئيس الحكومة سعد الحريري في جولته الخارجية، ملفّات اقتصادية هامّة للغاية، سيبحثها بالعمق مع قادة الدول الذين سيلتقيهم، بدءاً من أبو ظبي، حيث استهلّ جولته بالمشاركة بمؤتمر الاستثمارات الإماراتية ــ اللبنانية، وسيركّز مع القادة العرب والأجانب على خطورة الوضع الذي يمرّ به لبنان، انطلاقاً من فهمٍ واضح بأن استقرار لبنان هو جزء أساسي من استقرار المنطقة، وأن بلد الأرز الذي ما زال رئة العالم العربي وبوابته إلى الغرب، يتحمّل ما لم يتحمّله غيره من الدول العربية الأكبر مساحة والأكثر ثراء، نتيجة حروب المنطقة، خصوصاً الحرب السورية وأزمة اللجوء التي تبدو طويلة الأمد.

تراهن مصادر مقرّبة من الحريري، على أن رئيس الحكومة «واثق بأن الأشقاء العرب وخصوصاً دول الخليج لن يتركوا لبنان يسقط في أزمته الاقتصادية والمالية، وهو تلقى إشارات إيجابية تبشّر بقرب خروج البلاد من النفق، عبر ضمانات عربية بضخّ أموال إلى الأسواق اللبنانية، من خلال هبات وودائع بالعملة الصعبة، وباستثمارات في القطاعات الخدماتية والبنى التحتية، وخلق شبكة أمان اجتماعي توفر فرص عمل للشباب اللبناني».

وبرأي المصادر المقرّبة من الحريري، فإن «مؤتمر أبو ظبي يكتسب أهمية قصوى، وهو ثمرة جهود بذلها رئيس الحكومة مع ولي عهد الامارات الشيخ محمد بين زايد آل نهيان، ومع القيادة السعودية بشخص ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والمفترض أن يستكمل بدعم دولي سيحظى به الحريري، من خلال علاقاته الشخصية مع مسؤولين دوليين، بينهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وشخصيات نافذة في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعلى رأسهم صهر الأخير جاريد كوشنر ووزير الخارجية مايك بومبيو».

وإذا كانت الأمور مرهونة بخواتيمها، يتوقّع خبراء اقتصاديون، أن ينجح الحريري في جولته على عواصم خليجية وأوروبية، بإحداث خرق يسمح بإقناع القادة الذين سيلتقيهم بعدد من النقاط الأساسية التي حراجة الوضع اللبناني وتحول دون انهياره اقتصادياً، وهي:

أولاً: إقناع المجتمع الدولي بأن الحكومة اللبنانية، بدأت إصلاحات جذرية في السياسية الاقتصادية، وهي عازمة على اتخاذ قرارات حاسمة، تؤدي إلى خفض العجز في الميزانية العامة ومحاربة الفساد، بما يتلاءم مع مقتضيات مؤتمر «سيدر» لكن عبر إجراءات تدريجية.

ثانياً: تخفيف القيود على تحويلات أموال اللبنانيين المغتربين من الخارج الى بلدهم، بما يعيد هذه العمليات إلى وتيرتها المعتادة.

ثالثاً: الحدّ من وطأة القيود الأميركية مؤسسات لبنانية، بحجة العقوبات على قيادات وكيانات تابعة لـ «حزب الله»، والتي تقيّد المعاملات المصرفية، والمؤسسات المالي الأخرى، التي تخضع لتحقيقات عند بعض التحويلات.

رابعاً: العمل على تطويق أي محاولة لخفض تصنيف لبنان الائتماني من قبل مؤسسات التصنيف الدولية، كي لا يقود ذلك إلى تلاشي ثقة شركات الاستثمار العربية والأجنبية بلبنان».

ثمّة عوامل تعطي الحريري قوّة دفع باتجاه إقناع الدول التي سيزورها، بخطة حكومته، وتؤكد مصادر «المستقبل» المطلعة على برنامج لقاءاته الخارجية، أن هناك «تقاطعاً في الرؤية العربية والدولية، بأن الحريري لا يزال يمثل حلقة الوصل بين لبنان والعالم، رغم أنه يرأس حكومة يمتلك فيها «حزب الله» الأغلبية الموصوفة». وتشير هذه المصادر إلى أن المجتمع الدولي «بات مقتنعاً بأن الحريري يتشارك مع «حزب الله» في الحكومة تحت عنوان «ربط النزاع»، بخلاف قيادات وأحزاب أخرى مثل التيار الوطني الحرّ برئاسة الوزير جبران باسيل، وشخصيات مسيحية أخرى تقيم تحالفاً استراتيجياً مع الحزب، والمرشّحة للإدراج على لائحة العقوبات الأميركية». وتشير المصادر الى أن «دول القرار وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، تنظر إلى الحريري على أنه يمثّل الاعتدال السنّي في لبنان، تماماً كنظرتها إلى رئيس مجلس النواب نبيه برّي كوجه للاعتدال الشيعي في لبنان، وله قوّة تأثير في الاعتدال الشيعي في المنطقة أيضاً.

أسابيع حاســمة في تاريخ لبنان، ينتظر أن تشكّل محطة اختبار لنجاح مهمّة الحريري الخارجية، شرط أن تواكبها خطّة حاسمة لحكومة «إلى العمل»، ومؤازرة من القوى والأحزاب السياسية، تنجح بنزع ألغام التفجير، وبدء التحوّل التدريجي من مرحلة الفوضى إلى جادة الاستقرار.