كان الوحيد الذي حارب كل شخص يحبه يريد هجرة الوطن، وقف بوجه الكثيرين لأنه كان يعشق الوطن، وكان يسرد البراهين والأمثلة التي تساعده ليُبقي شعب الوطن على أرض الوطن الذي احتضن كل شخص منا.

صُدمنا بالفعل، فقد قال "يا ريت بصحّلي سافر"، فجميعنا لم نصدّق ما سمعناه، إلا بعدما أكمل كلامه معتبراً أن من غادر الوطن هو الذكي الذي عرف مصلحته واشترى راحته وصحته وسلامته على حساب حب الوطن وعشقه. اشترى الراحة المفقودة، اشترى الصحة التي تتدمّر يوماً بعد يوم من التلوّث، من الحاجة والعوز، من سوء التغذية بسبب الفقر والفوضى... اشترى المستقبل الباهر لأولاده وعائلته، اشترى الجنسية المحترمة التي تخوّله أن يكون ملكاً في كل بلدان العالم، اشترى كل شيء رائع.

صُدمنا، لكن في العمق لا معنى لهذه الصدمة، لأن اليوم تتوضّح أمامنا الصورة، اليوم عرفنا معنى الحاجة، اليوم عرفنا أننا في قعر المشكلة ولا يمكن أبداً الخروج منها لا في الأيام ولا حتى الأشهر القادمة. اليوم، لا نحصل على الراتب، يُقسّم لنا كمن يمزّق قطعة خبز للأسماك، منها ما يحصل على النصيب الكافي، ومنها من لا يحصل على "القطعة" التي توفّر الإكتفاء الذاتي.

نعلم جميعنا أن هجرة الأرض التي تربّينا عليها من أصعب ما يمكن أن يؤذي الإنسان، أي إنسان حتى المقتنع بمغادرة الوطن، لأن جذور الوطن متّصلة بشعبه، لكن صُدمنا بالفعل من ردّة فعل هذا الشخص الذي قال كلاماً قاسياً، ولم نكن نسمع منه إلا الكلام الراقي الذي كان يدفعنا بالفعل إلى البقاء على الأرض التي تربّيبا عليها.

لماذا هذا "التحوّل" الغريب، وهل لهذه الدرجة أصبح الوضع لا يُطاق في هذا الوطن؟

نحزن بالفعل لأننا وصلنا إلى نتائج لم نكن نطمح إليها، وصلنا إلى مراحل لم نكن يوماً نتوقّعها ولم تمرّ يوماً ولا لحظة في أذهاننا، تكاد الهموم تقتلنا، لأن الوضع الذي نعيشه اليوم، لا يمكن استبداله بوضع آخر، لأن نصيب كل شخص مختلف عن نصيب الآخر، وأحلام كل شخص مختلفة عن أحلام الآخر، ولأن قدرة كل شخص مختلفة عن قدرة الآخر... فهل نغادر؟ أو ننتظر؟ وإذا انتظرنا هل سيطول الانتظار حتى الفرج؟