فيما كانت الانظار والآمال تتجه الى ما ستؤول اليه مناقشات مجلس الوزراء ومعه اللجنة الوزارية حول الاصلاحات التي يفترض اتخاذها من ضمن مشروع موازنة العام 2020، أو من خارجه، دخل الوضع الداخلي في مسار جديد من السجالات من جهة، وعودة ازمة السيولة بالدولار من جهة ثانية، فيما تأكد ان هذه الازمة ليست نتيجة تعبير المواطن عن ما يعانيه من تفاقم في حياته ومعيشته، انما سببه الوضع المتردي على كل المستويات، وسط ما تقوم به قطاعات لها علاقة بالوضع النقدي من مضاربات، بما في ذلك بعض المصارف التي تمتنع عن القيام بأي خدمات للمواطن والجهات المعنية من حيث توفير السيولة بالدولار، حيث كشف نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي في الساعات الماضية عن قيام بعض المصارف المضاربة بالدولار، وليس بكمّ الافواه او تحميل المواطن المتألم مسؤولية ما يحصل لأنه لجأ الى «فشة» خلقه بمواقف من الواقع الراهن.

والواضح - وفق سياسي من حزب يساري معارض لاداء الدولة - ان كل ما يدور ويجري من معالجات في مسألة السيولة بالدولار وباقي الازمات المختلفة، ليس اكثر من معالجات جزئية سيزيل مفعولها الايجابي مع اي «هزة» داخلية، وهو ما يفترض من الحكومة اتخاذ سلسلة واسعة من التدابير المالية والنقدية كحلول مؤقتة بانتظار ما ستؤول اليه المعالجات الاخرى بما خص الازمات التي تعصف بالبلاد، ومن اولى هذه التدابير فرض قيود على المصارف بأن تؤمن حاجات اللبنانيين من الدولار، خاصة للقطاعات المعنية بخدمات المواطنين اليومية من محروقات ودواء وخبز وامور اخرى، يضاف الى ذلك ضرورة استعادة احتياطي لبنان من الذهب الموضوع في الخزانة الاميركية، فمثل هذا لاجراء من شأنه ان يريح الوضع المالي والنقدي في لبنان ويرفع من عوامل الثقة في الخارج، بينما استمرار ازمة السيولة بات يهدد ليس بتعطيل وفقدان خدمات اساسية للمواطن، وانما يرفع بما لا يقاس من خطر حصول انفجار في الشارع وبلوغ الوضع الداخلي مرحلة اللاعودة.

لكن حتى لو ذهبت الحكومة نحو اجراءات مؤقتة لمعالجة ازمة السيولة بالدولار، يلاحظ السياسي المعني ان المشكلة الاكثر استعصاء في الوضع نحو معالجة خطر الانهيار المالي والاقتصادي والحياتي، ما وصلت اليه محاولات القضاء او اللجان النيابية وكل الهيئات المعنية كشف حقيقة ما تؤكد عليه الوقائع والاثباتات (من تلزيمات مشبوهة الى انفاق خيالي للمال العام، الى وقف مزاريب الهدر الاخرى) حيث كل فريق في الحكومة يرى نفسه فوق الشبهات وفوق القانون والاجهزة القضائية، على غرار قيام وزيري الاتصالات الحالي محمد شقير وسلفه جمال الجراح تلبية طلب المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم الاستماع الى ما لديهم حول ما حصل ويحصل في وزارة الاتصالات، وما سبق ذلك ايضاً من رفض وزراء اخرين تلبية القضاء الاستماع الى ما لديهم حول شبهات الفساد والهدر في وزاراتهم، وكذلك تمنع اكثر من وزير عن اعطاء التصريح لمديرين عامين المثول امام القاضي ابراهيم للغاية نفسها، وهذا التصرف من جانب بعض القوى السياسية التي يرفع بعضها شعارات محاربة الفساد والهدر، يكشف عن عدم جدية، وحتى الاصرار على ادارة شؤون الدولة بما يتلاءم مع المصالح الحزبية والسياسية من خلال الاتي:

1- «الكباش» الحاصل في الحكومة حيال بعض الاجراءات الجزئية المطلوبة لمواجهة الكمّ الهائل من الهدر والفساد في المال العام، حيث هناك بعض الاطراف في الحكومة لا تقر بحقيقة ما يهدر من مال عام، بل انها تصر على اتخاذ بعض الخطوات الشكلية لايهام الرأي العام والمجتمع الدولي ان هناك عملاً حكومياً جدياً لمواجهة هذا التفلت غير المسبوق في ادارة المال العام ومعه الاستهتار بحياة المواطن وخدماته الاساسية.

2- تعمد بعض القوى السياسية، لما حصل مع وزيري الاتصالات التابعين لتيار المستقبل الادلاء بشهادتيهما حول صيغة التعاطي مع ادارة قطاعات الخليوي واوجيرو والتلزيمات في الوزارة، دون ان يوجه اي طرف اتهامات مباشرة لاي فريق سياسي او وزير تعاقب على وزارة الاتصالات على غرار ما حصل مع الاخبار الذي كان رفعه النائب حسن فضل الله لمعرفة حقيقة صرف الـ11 مليار دولار والجهات التي استفادت منهما، فقامت قيامة فؤاد السنيورة ودعمه كل المرجعيات في طائفته، وكأن المقصود طائفة او فريق معين، ويؤكد السياسي المعني ان تمسك المستقبل واطراف اخرى في الحكومة بهذا المنطق الاستعلائي ستكون اولى ضحاياه كل ما يرفع ليس من شعارات لاسترداد المال المطلوب، بل حتى اعادة الشفافية لعمل ادارات ومرافق الدولة.

3- ان الامعان في الرهان على قروض مؤتمر «سيدر» او غير ذلك عبر قيام دول او جهات مالية عربية وغيرها بتقديم قروض لتحريك بعض المرافق الانتاجية سيفاقم من الازمة بدل حلها نظراً لتراكم فوائد الدين العام، بما في ذلك استعداد السعودية وغيرها لوضع ودائع في مصرف لبنان لفترة معينة، لان نتيجتها ايضاً مزيد من الديون.

4- مراوحة الاداء الحكومي لمعالجة بعض الملفات التي باتت تشكل عبئاً على المالية العامة والمواطن، من الكهرباء الى موضوع النفايات، الى وقف الاتفاق السياسي، فما هو حاصل في موضوع اصلاح قطاع الكهرباء وانشاء معامل لتوليد الغاز يؤشر بوضوح الى تعطيل اي حلول ولو جزئية بسبب النكايات السياسية، ويمكن القول - وفق المصدر - ان الانجاز الذي يسجل للحكومة تمكنها من بدء استخدام اكياس القماش بدل اكياس النايلون.

لذلك، يقول المصدر السياسي المعارض لكل الاداء الحاصل ان الامعان في «طمر الرؤوس في الرمال» والاصرار على نفس السياسات التي كانت السبب لما بلغته البلاد من ترد غير مسبوق ستكون تداعياته اكبر بكثير مما يعتقده المسؤولون، وكل محاولات التغطية على هذا الواقع ستفاقم الازمات وتعجل الوصول الى المحظور.