في ضوء الازمة التي شهدتها السوق المالية في لبنان على خلفية فقدان السيولة بالدولار، تطرح الكثير من التساؤلات حول مسار الوضع المالي وانعكاساته على الوضعين الاقتصادي والمعيشي، اذا لم تتخذ اجراءات على مستويات مختلفة تفضي الى اعادة التوازن للسوق المالي وتتيح لكل اللبنانيين، الحصول على ما يتيح له القيام بحاجاته من السيولة بالدولار، بعيداً عن مضاربات التسعير على غرار ما حصل في الاسابيع الثلاثة الماضية؟

بداية يقول خبير اقتصادي - مالي محسوب على احد الفرقاء المعترضين جذرياً على اداء الحكومة وكل السياسات المتبعة مالياً ونقدياً - ان ما اتخذ من اجراءات في الساعات الماضية هو نوع من المسكنات التي توصلت الحكومة وباقي الجهات المعنية على اتخاذها لمواجهة الازمة المتفاقة على كل المستويات، ولو ان هذه الاجراءات ستخفف من الطلب على الدولار لدى الصيارفة، الى جانب ما اعلن من توجهات لمحاسبة المضاربين بالدولار الذين يبثون شائعات عن خطر انهيار سعر الليرة اللبنانية.

لكن الخبير المالي - الاقتصادي يلاحظ ان اسباب ما بلغته البلاد من خطر الانهيار بما في ذلك ما يتعلق بسعر الليرة مرده الى مجموعة واسعة من السياسات المميزة من جهة، والسياسات التي انتجت كل الواقع القائم وبين زيادة الفقر والبطالة الى حدود لم يسبق لها مثيل. مقابل تمكن بعض المحظيين من جمع ثروات خيالية على حساب المالية العامة وجيوب اللبنانيين بحيث لا يمكن الفصل بين سياسات الحكومات المتعاقبة منذ عام 92 حتى اليوم وبين ما وصلت اليه البلاد، الى جانب السياسات المالية والنقدية القاصرة، وكذلك يشير هذا الخبير الى ان ابرز التجليات التي اوصلت البلاد الى هذا المأزق على كل المستويات بما في ذلك الموضوع النقدي وفقدان السيولة بالدولار الاتي:

1- منذ ما بعد اتفاق الطائف، اقتصرت كل السياسات المعتمدة اقتصادياً ومالياً ونقدياً وحياتياً على اعتماد السياسات الريعية، دون اعتماد استراتيجية متكاملة منطلقها وقف الفساد والهدر، تشجيع الصناعة والزراعة، وضبط الفوضى في تعاطي ادارات الدولة من جهة والقطاع الخاص من جهة اخرى، تعاطي كل الحكومات منذ بدء الاحداث في سوريا مع قضية النازحين السوريين من منطلق حسابات خاصة، ما ادى الى فوضى غير مسبوقة على مستوى النازحين، وعلى مستوى ما هو مطلوب لاعادتهم الى بلدهم.

2- ان عهد الرئيس ميشال عون لا يتحمل مسؤولية هذا التردي وهذا المأزق المتفاقم، لكن حتى الان لم يلمس المواطن «ورشة» متكاملة على مستوى كل ادارات الدولة يبدأ من الحكومة لوضع المعالجات الفعلية على سكة التنفيذ، بل ان ما اتخذ حتى اليوم من اجراءات لم تتجاوز المعالجة الجزئية لبعض الملفات، لم تختلف بطبيعتها وعدد مما اتخذ في الحكومات السابقة التي يراد منها كسب الوقت عبر مواجهة محدودة لمكامن الهدر والفساد، من جهة وتحسين واردات الخزينة من خلال الضرائب والرسوم من جهة اخرى.

3- تلكوأ الحكومة عن اطلاق سلسلة واسعة من الاجراءات لوقف الهدر والفساد في كل مرافق الدولة بشكل لم يسبق له مثيل وما يحصل في وزارة الاتصالات من هدر وتلزيمات بمئات ملايين الدولارات خارج القانون واكدت عليها اطراف عديدة في الحكومة وخارجها، يظهر مدى العقلية المسيطرة على قرار الحكومة من حيث انكار كل ما حصل ويحصل من هدر للمال العام.

4- «طمر» الحكومة رأسها في «رمال» الاجندات الخارجية من حيث عدم التحرك لمواجهة العقوبات الاميركية من جهة، وما يتعرض له الاغتراب اللبناني من ضغوطات ومراقبة في كل دول العالم من جانب الاجهزة الاميركية من استخبارات ومخبرين، ما حال ويحل دون تمكن المغتربين من تحويل بعض مدخراتهم الى لبنان، وهو الامر الذي فاقم من ازمة السيولة بالدولار.

5- ان كل السياسات المالية والنقدية التي اعتمدت حتى اليوم، فاقمت من الازمات المالية والاقتصادية، بحيث يورد الخبير الاقتصادي جملة واسعة من الاخطاء التي افضت او ساهمت بما بلغته البلاد اقتصاديا ومالياً ونقدياً، وكان من احدى تجلياتها رفع ارباح المصارف بصورة خيالية في مقابل تردي غير مسبوق في اوضاع اكثرية اللبنانيين.

6- تفاقم حال المحاصصة الزبائنية ومحميات الفساد المالي لغايات سياسية في كل مفاصل الدولة، خاصة المرافق التي يفترض ان تشكل المورد الاساسي للخزينة، من الاتصالات الى المرفأ وما يحل فيها من تهرب جمركي، الى وضع اليد على املاك الدولة، الى ما ينفق بمئات مليارات الليرات اموال الخزينة للانفاق السياسي.

من كل ذلك، يشير الخبير المالي - الاقتصادي انه حتى ولو افضت الاجراءات الاخيرة على معالجة جزء من حيث تأمين السيولة بالدولار لبعض تجار السلع الاساسية وحتى لو تمكن مصرف لبنان من منع حصول اي تراجع بسعر الليرة عبر ما يسمى السوق السوداء، فاستمرار فقدان السيولة بالدولار لاكثرية اللبنانيين الذين يحتاجون له لتدبير بعض حاجاتهم، خاصة ما له علاقة بالاستيراد لما يصل الى ثلثي ما يتم استيراده من الخارج الذي يصل الى 13 مليار دولار سنوياً، في مقابل احتمال ان تخفف الاجراءات الاخيرة من الطلب على حوالى سبعة مليارات دولار سنوياً، على اعتبار ان حاجة السوق اللبنانية تصل لهذا المبلغ فهذا الواقع غير الطبيعي الذي عاشته البلاد في الاسابيع الثلاثة الماضية يمكن تكراره في اي وقت وفي حال بقي التلكؤ الحكومي على حاله من حيث اطلاق خطة شاملة مدخلها الاصلاح ووقف الفساد والهدر، حتى يمكن مواجهة كل هذا الواقع الصعب على كل المستويات.