يمكن تسجيل موقفين، استجدّا بعد تظاهرات يوم الاثنين الماضي التي بدأت حضارية للتعبير عن جوع الناس، وانتهت بمحاولات زرع الفوضى والتخريب والاشتباك مع قوى الامن، ولهما علاقة بالوضع المتوتر بين حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، الموقف الاول صدر عن رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان، المعني تحديداً بمصالحة الحزب والتيار، حيث دعا الى فتح الحوار مجدداً بين الفريقين، ربما بشعور منه ان اعادة اللحمة الى اتفاقهما، ستعطي قوة دعم لمواجهة حركات تخريب مشبوهة ستطول الاثنين معاً، تبعه موقف ثان يمكن ان يصب في قناة الرغبة لدى الطرفين، اذا حسنت النيات، بتنقية ما فسد من تفاهم معراب، هو موافقة وزراء التيار الذين يناقشون ورقة حزب القوات في لجنة الاصلاحات، على ما ورد في الورقة، بأن دراسة ومناقشة واقرار موازنة 2020 يجب ان تقترن فوراً بمجموعة خطوات اصلاحية بحجم كبير، ليكون للموازنة قيمة وشأن وفاعلية، والسؤال هل يمكن البناء على هاتين الايجابيتين لتحسين العلاقة بين القوات والتيار الوطني، او يجب انتظار خطوات ومواقف اخرى؟!

***

اللبناني الذي عاش قوة الليرة اللبنانية في الخمسينات والستينات والسبعينات، وكان يشعر بالزهو والفخر عندما كانت تفتح حدود الدول كبيرها وصغيرها، امام جواز السفر اللبناني، يشعر بكثير من الالم لوضع الليرة، واشد منها عندما يقرأ ان جواز السفر اللبناني يقع في المراكز العشرة الاخيرة لتصنيف قوة جوازات السفر.

هناك في مكان ما في لبنان، جهة ما، او حكومة ما، او حكم ما، او كل هذه مجتمعة، هي المسؤولة عن وصولنا الى هذا الدرك، بعد تصنيفنا ايضاً بالدولة رقم 137 الاكثر فساداً في العالم.

ما نعيشه اليوم، ليس لبنان الذي «بناة الجدود» ولا لبنان الذي حلم به الرئيس الشهيد بشير الجميل، ولا الذي استشهد من اجله قافلة من عيون هذا الوطن، وعشرات الوف الشهداء.

اليس محزناً ان يقولوا عنا اننا نعـيش في مزرعـة لا في وطن، ومحزناً اكثر انهم على حق في ما يقولـون.

الخبير المالي والاقتصادي نسيب غبريل اختصر بجملة واحدة مأساة لبنان، عندما قال في مقابلة تلفزيونية، ان ما نشهده اليوم يعود سببه في معظمه بدءاً من سنة 2013 حتى سنة 2019، لان لبنان في خلال ست سنوات عجاف، لم يعمل ولم ينتج سوى في 19 شهراً، اي في سنة وسبعة اشهر، والمدة الباقية كانت فترة لتعطيل انتخاب رئيس للجمهورية، وتعطيل تشكيل الحكومات، والتعطيل المتعلق بتعيين الوزراء والاتفاق على الحقائب.

في السابق تعطيل، وفي الحاضر تطويـل وبـطء ولا مبالاة في انجاز موازنات تفتح طريق الاصلاح، فكيف تريدوننا، ان نثق بالطبقة السياسية الحاكـمة؟!