أرنولد توينبي، فيلسوف التاريخ البريطاني، تحدث عن «اللوثة التراجيدية»، وهي تلاحق مجتمعات عاشت، في قرون غابرة، الفائض التاريخي أو الفائض الفلسفي. تساءل عن السبب الذي يجعل تلك المجتمعات أكثر قابلية للانكسار، أو للتيه، أو حتى للاندثار.

على ضفاف الرافدين، وابان الحضارة السومرية، ظهرت الأسئلة اللاهوتية الكبرى حول الوجود، واللاوجود, وحول ميكانزم الخليقة، ناهيك عن الموت. بعد ذلك، راح جلجامش الذي وصل الى بلاد الأرز وافتتنت به عشتروت، يبحث عن الحياة الأبدية.

تلك المنطقة التي أطلق فيها حمورابي شرائعه، رأى فيها الحجاج بن يوسف الثقفي رؤوساً قد اينعت وحان قطافها. البلاء العظيم كان بغزو هولاكو، الى أن استشرت «ظاهرة السحل» في عهد عبد الكريم قاسم، لتتحول الديكتاتورية، بكل أبعادها النرجسية، الى حالة هيستيرية ابان حكم صدام حسين.

العراق، الآن، في ذروة الهلهلة السياسية، والهلهلة الاقتصادية، وحتى في ذروة الهلهلة الاجتماعية. ولقد شهدنا ذروة الهلهلة العسكرية مع دخول أبي بكر البغدادي الى الموصل، واعلانه الخلافة من هناك. كان باستطاعته، لو شاء، الوصول الى بغداد، وكان هذا خطأه الاستراتيجي الكبير، بعدما راهن على السقوط التلقائي للمدينة.

كيف يمكن لدولة تأخذ بالديمقراطية اطاراً فلسفياً للسلطة، أن تقوم على المعادلات الطائفية القابلة للانفجار؟ أين هي الأكثريات والأقليات؟ شتات...

حين يتم تصنيف بغداد على أنها مثل مقاديشو، أو مثل قندهار. وحين تتحول البصرة، ولطالما كانت لؤلؤة الخليج, بالشاطئ التي اغتسلت به قدما شهرزاد، وبغابات النخيل التي وصفتها نازك الملائكة بـ«ثريات الأزل»، الى أرض يباب. اللافتات السوداء تملأ الشوارع، بالأرصفة المحطمة وبأكوام العاطلين عن العمل؟

التركيبة الطائفية اياها التي حالت دون تعيين وزير للدفاع وآخر للداخلية، في حين تقع البلاد على خط التقاطع بين اللوثة الجيوسياسية لدى دول الأقليم واللوثة الجيوستراتيجية للدول الكبرى...

لا أحد يشكك في نزاهة رئيس الحكومة عادل عبد المهدي. ماذا عن القادة الشيعة الذين يذرفون الدموع، ويلطمون الصدور، في يوم الحسين، بالشفافية الأخلاقية الفذة، ثم يوغلون في الفساد العظيم؟

لا مجال لتبرئة القادة السنّة الذين يأخذهم بعيداً الحنين الى السلطة؟ كثيرون منهم ضالعون في الفساد. متواطئون مع «اشقائهم» الشيعة في تحويل العراق الى دولة آسنة.

مثقفون عراقيون كبار يقولون لك «لقد بتنا بحاجة الى ديكتاتور من طراز الحجاج بن يوسف». كيف يمكن لبلد على ذلك المستوى من الثراء أن يكون مستودعاً... للمعوزين؟

ثمة اعصار يتشكل الآن. الشرطة، على الطريقة العراقية اياها،لا تكتفي بالقنابل المسيلة للدموع، بل تطلق النار على المتظاهرين. كرة النار تكبر يوماً بعد يوم. احتمالات الانقلاب العسكري ليست مستحيلة.

هذه من الخصال الكبرى لأي نظام عربي، وحيث التجليات القبلية في أبهى صورها. ثقافة القتل. ماذا بعد؟ حين قال باراك أوباما للخليجيين «المشكلة فيكم، لا في أي مكان آخر»، مثلما كان يقصد العراق، كان يقصد كل بلد عربي آخر.

الذئاب الطائفية في العراق على شاكلة الذئاب الطائفية في لبنان. الدولة غابة. الدولة مغارة علي بابا. دولة المواويل الحزينة تنتظرها أيام حزينة...

المثقفون اياهم يقولون لك ان مسؤولين عرب ارتأوا على دونالد ترامب العودة بالعراق الى ما قبل ونستون تشرشل. ولاية البصرة، وولاية الموصل، وولاية بغداد. لعل هؤلاء لا يدركون أن تفجير الخريطة في العراق يعني تفجير خرائط سائر بلدان المنطقة. كلنا على حد السكين...