يروي مقاوم عمل طوال سنوات في صفوف جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي شكلت الجناح العسكري المقاوم للاحتلال الاسرائيلي في الحزب الشيوعي اللبناني، تجربته الغنية خلال مرحلة الاحتلال، ويأسف على ان تجربة المقاومة اللبنانية تكاد تختلف عن كل التجارب التي خاضتها حركة المقاومة والتحرر الوطني التي انتصرت على الاحتلال، بحيث لم تقم اية محاكمة ميدانية ولو واحدة، لرموز المتعاملين، وهو امر سيُشجِّع كثيرين في العودة الى التعامل في حال توفرت لهم الفرصة، طالما ان لا محاكمات جدية من الدولة ولا ملاحقات امنية او قضائية، فهل يكفي ان يُفَجر مجهولون منزلاً لعميل هنا او سيارة لعميل هناك؟ هل هذا ما نصت عليه القوانين اللبنانية؟

ويقول لـ «الديار»: لقد شاركت في العديد من عمليات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، على مدى السنوات الممتدة من العام 1982 وحتى اواخر التسعينيات، وكل عملي داخل المناطق الجنوبية المحتلة والقريبة من الحدود، حيث كنت اقيم في احدى القرى الصغيرة البعيدة عن الحركة العسكرية للاحتلال وميليشياته، وكنت اخفي طبيعة عملي حتى عن اقرب الناس اليَّ، ومن خلال وجودي شبه الدائم في المنطقة كنا نرصد كل ما يصل من معلومات وخبريات عن كبار العملاء، ومراقبة الطرقات التي تسير عليها الدوريات المؤللة والراجلة واختبرنا الروتين العسكري الذي كان العملاء يعتمدونه، وكل هذه المعلومات جرى استثمارها في عمليات عسكرية موجعة.

ويتوقف المقاوم الشيوعي مليا عند محاولة بعض الجهات اللبنانية، تقديم ملف العملاء على انه ملف يعني عملاء من طائفة واحدة من الطوائف الاخرى، والتسويق لاستهداف عملاء من هذه الطائفة دون عملاء من طائفة اخرى، ويقول ان هؤلاء يُزَوِّرون الحقائق، ويسأل..ماذا عن العملاء الذين ينتمون الى الطوائف الاسلامية، الشيعة والسنة والدروز؟، من يكون العميل حسين عبد النبي واحمد السيد حسن «ابو برهان» الذي توفي قبل سنوات في «منفاه» الطوعي، ومن يكون العميل رياض العبدالله الذي كان المسؤول الامني الاول للميليشيات العميلة في بلدة الخيام كبرى بلدات قضاء مرجعيون، والتي زُجَّ بالعشرات من ابنائها في «معتقل الخيام»، ولارتكاباته على مدى عشرين عاما فضَّل «الهجرة» الى افريقيا عن العودة الى لبنان ومحاكمته ؟، و«الابن المدلل للاحتلال منذ عقود.. العميل روبين عبود الذي كان من اكثر الذين بطشوا ونكلوا بابناء بلدته عديسة والقرى المجاورة في كفركلا ورب ثلاثين ومركبا والطيبة ودير سريان وعدشيت القصير، وجميع سكان هذه القرى هم من الديانة الاسلامية نفسها التي ينتمي اليها عبود، وعبد فارس وحسين علي فاعور واحمد شبلي وطالب سبليني، وماذا عن نبيه ابو رافع «قائد الجيش» في حاصبيا... واللائحة تطول.

} العمالة للاحتلال... لا تحتاج

الى دين او طائفة او مذهب }

بالمقابل، يضيف المقاوم الشيوعي، ومن خلال تجربتي في صفوف المقاومة، فان من بين الذين كانوا يخططون ويتابعون عمليات جبهة المقاومة ضد الاحتلال، في الحزب الشيوعي وايضا في الحزب السوري القومي الاجتماعي، كانوا مصادفة من المسيحيين، فلا مكان للدين في مقاومة الاحتلال وعملائه، وواكب هؤلاء عمل الجبهة منذ انطلاقتها في العام 1982، ونجحوا في تحقيق انجازات هامة في مسيرة المقاومة، كان لبعض العمليات التي اشرفوا على التخطيط لها وتنفيذها وقع كبير في المسار الذي سلكته المقاومة التي شهدت تحولات كبيرة في عملها، من عملية تصفية الحاكم العسكري في البقاع الغربي، والعملية التي نفذتها المقاومة ابنة القرعون لولا الياس عبود، الى اسكات الاعلام الناطق باسم العملاء وعملية تدمير اذاعة «صوت الامل» في سهل مرجعيون، واستشهاد الياس حرب وميشال صليبا وحسام حجازي ( ما تزال رفاتهم داخل الاسر الاسرائيلي)، وتدمير «تلفزيون الشرق الاوسط» في مارون الراس، من دون خسائر للمقاومة، والمآثر التي سجلها المقاوم جورج نصرالله من ابل السقي، وقد انتقم الاحتلال وميليشياته من عائلته ـ بابعادها الى خارج المنطقة المحتلة، ورفيقه مخايل ابراهيم من تل عباس العكارية، وماذا عن الزلزال الذي احدثته المقاومة سهى بشارة في العقل العسكري الاسرائيلي، حين اطلقت النار على رأس العمالة انطوان لحد داخل منزله، وهي العملية التي اشعرت اركان الاحتلال، ان وجوده في الجنوب اللبناني بات محفوفا بالخطر الداهم... يومها عنونت الصحف الصهيونية تقول «مقاومة شيوعية مسيحية تغتال الحزام الامني لاسرائيل في جنوب لبنان».

ويجزم بالقول: التجربة التي استمرت على مدى خمس عشرة سنة، تؤكد ان لا «افضلية» عند المقاومة في استهداف عميل «مسيحي» عن عميل «مسلم»، الا بمدى خطورة هذا العميل واجرامه ودوره في تعزيز بقاء الاحتلال، والاثنان متورطان في العمالة، سيما وان بعض العملاء المنتمين الى الطوائف الاسلامية، كانوا في بعض الاحيان اكثر بطشا واجراما من عشرات العملاء المنتمين الى الديانة المسيحية، وهذه الحقائق ثابتة ووقائعها كثيرة يصعب سرد فصولها، وحين كان يتم التخطيط لعملية ما، تستهدف دورية او مركز او عميل للاحتلال، لا مكان للسؤال عنا عن ديانة من يتواجد في الدورية او المركز، فلا همَّلنا في طائفة العميل، كلهم سواسية في الخيانة، كان همنا الوحيد الابتعاد عن الحاق الخسائر في صفوف المدنيين، مهما كانت درجة القربى للعميل المنخرط في صفوف ما اسماه الاحتلال «جيش لبنان الجنوبي»، الذي لم يكن يُوفر فرصة للتنكيل بـ «ابناء جلدته» من سكان القرى التي يفرض عليها سطوته الامنية برعاية الاحتلال..ويخلص الى القول.. العمالة والخيانة الوطنية لا دين لها ولا طائفة ولا مذهب، ومحاكمة العملاء «العابرين للطوائف»، ينبغي ان تكون مهمة كل الحريصين على هوية البلد وتضحيات ابنائه التي اخرجت المحتل.