عاد سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية الى سابق «نسبته»، فبات ضمن المعدلات الطبيعية بعد ساعات من التعميم الذي أصدره حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي لطالما لعب الدور الابرز في الحفاظ على استقرار النقد في لبنان، ولكن هذه المرة لن يمرّ ما حصل مرور الكرام في قصر بعبدا، خصوصا وأن تهديد الاستقرار النقدي يفوق بخطورته أي تهديد آخر، لأنه يزلزل أسس المجتمع اللبناني ككل لا فريق سياسي بعينه.

استمع رئيس الجمهورية ميشال عون بدقة وعناية لشروحات مطولة ومفصلة من قبل حاكم المصرف المركزي ورئيس جمعية المصارف، حول الازمة وأسبابها وتداعياتها وسبل حلّها، فكان سردّ طويل، لم يغير قناعة الرئيس بأن ما حصل لم يكن ليصل الى ما وصل إليه لولا تواطؤ محليّ وخارجي، يهدف اولا وأخيرا لهدّم الهيكل وتحميل العهد المسؤولية، تقول مصادر مقربة من رئيس الجمهورية.

تكشف المصادر أن رئيس الجمهورية قاد خلال اليومين الماضيين مسارين منفصلين، الاول مسار حلّ الازمة، وهو ما بدأنا نشعر بثماره منذ مطلع الأسبوع الحالي، والثاني وهو الاهم ملاحقة مسببات الازمة. وفي المسار الثاني تُعلن مصادر القصر الجمهوري أن بحوزة الرئيس معلومات مهمة جدا حول المتورطين بأزمة تهديد الليرة، منهم من يعمل بناء لتصور وخطة ومنهم من سيطر عليه الجشع ومحاولة تحقيق الكسب المالي السريع، فساهم بازدياد الوضع سوءا، مشيرة الى أن التعاطي مع كل منهما سيكون بحسب حجم الخطأ ولكن بهدوء وروية.

تشدد المصادر على أن رئيس الجمهورية يعلم حجم التدخل الخارجي بالازمة الاخيرة، ولا أحد ينفي هذا الامر، ولكنه يعتبر أنه اذا لم يكن بإمكاننا صون ساحتنا الداخلية اولا فلن نتمكن من مواجهة التحديات الخارجية ثانيا، ولذلك فهو لن يتراخى بمحاسبة كل من تسول له نفسه التعدي على الاستقرار النقدي في لبنان.

ليست الهجمة بحسب مصادر القصر الجمهوري على الاقتصاد، اقتصادية، إنما سياسية، اذ بات الضغط كبيرا جدا على العهد وشراكته مع حزب الله وتيار المستقبل، لذلك يحاول الموفدون الدوليون تارة فكّ ارتباط التيار الوطني الحر مع حزب الله عبر التهديد بفرض عقوبات مالية على قياديين ونواب ووزراء في التيار، وتارة اخرى إنهاء التسوية الرئاسية بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر عبر اختلاق أزمات، مرة تكون حول الصلاحيات، ومرة حول التعيينات، ومرة حول التحالفات. وتضيف: «بعد أن فشلت العقوبات على حزب الله من تحقيق اهدافها، وفشلت التهديدات ضد التيار الوطني من الوصول لغاياتها، يحاولون اليوم إعادة العزف على وتر التسوية الرئاسية عبر ضربها بدعوة الحكومة للاستقالة».

ترى مصادر القصر الجمهوري أن الدعوات لاستقالة الحكومة والضغط على الرئيس سعد الحريري لم تنطلق من لبنان ولو أن فريق القوات اللبنانية تبنّاها، الا أن مصدرها الخارج الذي يُمعن في الضغط على الحريري، لأجل إخراجه من الحكومة، معتبرة أن آخر فصول هذا الضغط هو تفجير ملف عارضة الأزياء الافريقية بوجه رئيس الحكومة في هذا التوقيت عبر صحيفة اميركية، رغم أن الامر يعود الى سنوات سابقة، وتم إثارته العام الماضي ولم يلق ضجة، متوقعة أن يزداد حجم الضغط على الحريري المطالب بعدم الانحناء امام الضغوطات.

اذا، لا شيء يحصل بالصدفة، بالنسبة للمصادر في القصر الجمهوري، ولكن سبل المواجهة جاهزة، اذ تشدد المصادر على التمسّك بالتحالف مع حزب الله لما فيه مصلحة لبنان، والتمسك بالتسوية الرئاسية أكثر لأنها تشكل حاليا «الامل» الوحيد للخروج من الأزمة، لأن الظروف الحالية، الداخلية والخارجية، تشير بأكملها الى أن استقالة الحكومة الحالية تعني استمرار باقي سنوات العهد بلا حكومة، وهذا ما لن نسمح بحصوله في هذه الحالة.