عند تشكيل الحكومة اللبنانية الأخيرة، عاش اللبنانيون على أمل الوعود التي أُعطيت لهم بدءًا من البيان الوزاري. وأتت تصريحات المسؤولين على المنابر المُحمّلة بأطنان من الوعود بمُستقبل واعد للبنان واللبنانيين اقتصاديا وماليا لتزيد من الأمل لدى اللبنانيين مع خطط بآلاف الصفحات ترسم هذا المُستقبل الواعد. ولكن النتيجة على الأرض... إلى الوراء درّ!

مناقشة مشروع موازنة 2019، إن في المجلس النيابي أو في مجلس الوزراء، أظهرت للرأي العام حجم الضرر الذي اصاب المالية العامّة نتيجة عقود من السياسات المبنية على المحصاصات الحزبية والتوزيع الطائفي مع فضائح بالأطنان ظهرت في الإعلام من التوظيف الانتخابي مرورا بالصفقات المشبهوهة وصولا إلى تردّي الخدمات العامّة، وعلى رأسها ملف النفايات والكهرباء.

تأملّنا خيرا من ورقة بعبدا المالية الاقتصادية التي اعتبرناها وما زلنا نعتبرها ورقة الخلاص الفعلي اذ ان كل القوى المُشاركة في الحكومة وافقت عليها باستثناء تحفّظ فريق واحد عن الصيغة وليس المضمون. هذه الورقة وُضعت على أساس أن الوضع المالي كارثي وأنها (أي الورقة) تُشكل مجموعة الإجراءات الطارئة التي يتوجّب القيام بها للخروج من الأزمة. لكن بعد شهر على وضع هذه الورقة، نرى أن عدد الإجراءات التي طُبقّت منها يوازي الصفر! نعم الورقة التي وُضعت لمواجهة حالة طارئة لم يتمّ تطبيق أي شيء منها تقريبًا.

تم إعلان حالة طوارئ اقتصادية ولم نعرف بالتحديد ماذا تعني ولا الخطوات التي تمّ اتخاذها ضمن حالة الطوارئ هذه. والظاهر للمواطن أن شيئا لم يتغيّر لا على صعيد الإنفاق العام ولا على صعيد الإيرادات ولا على صعيد مكافحة الفساد ولا حتى على وتيرة الاجتماعات الحكومية.

مؤتمر سيدر الذي يُعتبر (من قِبلنا) الباب الأساسي للخروج من الأزمة، ما زال بعيدا كما رَشَحَ عن زيارة الرئيس سعد الحريري إلى فرنسا. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قالها بالفم الملآن للرئيس الحريري، يتوجب على لبنان حلّ مُشكلة الكهرباء، ومشكلة القطاع العام، ومُشكلة الفساد. وبدون حلّ لهذه البنود لا يحصل لبنان على أموال سيدر المُخصّصة للاستثمارات في البنى التحتية.

في المُقابل مكافحة الفساد تصطدم بالـ «establishment» ولا قوّة للقضاء على محاسبة الفاسدين كما أظهرته محاولات فتح

ملفات فاسدين في بعض القطاعات. لكن النتيجة كانت أننا لم نعد نسمع أي شيء عن هذه الملفات، وذلك على الرغم من ضغط رئيس الجمهورية المُستمر ومحاولاته دفع أجهزة الرقابة إلى مكافحة الفساد. لكن للأسف القرار السياسي موزّع على كافة القوى السياسية (دستور الطائف).

الفساد المُستشري يمتصّ خزينة الدولة ويُهدّد الكيان اللبناني بالانهيار مع عجز في ميزان المدفوعات بلغ 5.32 مليار دولار أميركي في نهاية شهر تمّوز 2019! حاجة الدولة إلى العملة الصعبة ارتفعت مع فواتير مباشرة بالدولار الأميركي (فيول لشركة الكهرباء، محروقات لمؤسسات الدولة، استشارات ومشتريات أخرى...) بالإضافة إلى استفحال في الاستيراد مع 12.34 مليار دولار أميركي حتى نهاية شهر تمّوز 2019. وفي المُقابل هناك ركود اقتصادي (قد يكون انكماشاً اقتصادياً!) مع إيرادات بالدولار الأميركي قليلة جدا نظرا إلى ضعف التصدير (2.09 مليار دولار أميركي حتى آخر شهر تمّوز) وضعف القطاع السياحي نتيجة حادثة قبرشمون وأزمة النفايات وغلاء الأسعار (لا نعرف المداخيل حتى الساعة).

مليارات الدولارات تخرج سنويا من لبنان من دون أن يكون مصدرها الماكينة الاقتصادية! لا بل على العكس حتى الصيف الماضي كانت هناك بعض المصارف تُعطي قروضا للسياحة في تركيا ومصر وقبرص. وبدل أن تكون هناك توعية على مخاطر هذه الأمور، كانت الحكومة والقوى السياسية مُنشغلة بتشكيل الحكومة تارة وبحل قضية قبرشمون طورا.

إذا الفارق بين الحاجة الهائلة إلى التمويل والإيرادات التي لا تواكب الإنفاق، وفي ظل غياب إرادة حقيقية في محاربة الفساد، يؤدّي إلى الاستنتاج أن لا حلّ إلا بالتوجّه إلى الشعب من خلال فرض الضرائب، رفع الدعم، وخصخصة المرافق العامّة!

 إنعكاس الأزمة المالية على الأسر والشركات

المنهجية المُتبعة تنص على مبدأ (وهو حقّ) أن ما «للدولة هو للدولة» وبالتالي، بدأت الدولة بمطالبة المواطنين والشركات بالمستحقات. لكن المُشكلة التي ظهرت إلى العلن والتي لم يتمّ حسابها تتمثّل في أن بعض الشركات التي عليها مستحقات كثيرة للدولة، لا قدرة لها على الدفع. هذا الأمر دفع بالعديد من الشركات إلى الاقفال (لا نعرف العدد نظرا إلى أن هذه الشركات لا تُصرّح بمعظمها) مما أدّى بدوره إلى وضع العديد من الموظفين على البطالة وما تسببه من تردّ للوضع الاجتماعي.

أيضًا قامت شركة كهرباء لبنان بتعجيل استرداد مستحقاتها لدى المواطنين والشركات (وهذا حق)، إلا أن المُشكلة التي ظهرت تمثّلت بأن المواطنين كما الشركات تستلم فواتير كهرباء على شهرين في كل مرّة وهذا يُشكّل مُشكلة في حال عدم توافر الأموال لديهم.

لكن هذا الأمر ليس الأخطر اجتماعيا، فاللبناني الذي تعوّد الإنفاق بنسب تفوق مدخوله، أصبح يواجه السياسة الانكماشية في القروض. اللبناني ومنذ العام 2007، يقترض من المصارف لتمويل استهلاكه بنسبة كبيرة شملت شراء العقارات، السيارات، الكومبيوترات، التلفونات، كما والقروض التربوية وحتى القروض السياحية للقيام بالسياحة في مصر، تركيا وقبرص!

وأصبح المواطن الذي يتمتع بمدخول مليون أو مليون ونصف، يحمل هاتفاً محمولاً بقيمة تتخطى الألف دولار أميركي! كما أن الموظّف الذي يبلغ أجره الشهري 900 ألف ليرة، أصبح يملك سيارة بقرض من المصرف ويدفع قسطاً يبلغ أكثر من نصف أجره الشهري.

ولا ننسى الضرائب على الفوائد المصرفية التي يعيش البعض منها، وبالتالي أصبحت قدرتهم الشرائية تتآكل مع الوقت لينخفض بذلك استهلاكهم.

تردّي الوضع المالي العام وزيادة طلب الدولة على الدولار الأميركي دفع إلى شحّ بالدولار في الأسواق، وبالتالي أصبح يُشكّل صعوبة للبعض للحصول عليه لدفع فواتير وثمن سلع وبضائع يصر التجّار، عن غير وجه حق، على قبضها بالدولار الأميركي. حتى أن بعض مواقف السيارات ودور الحضانة وتُجّار الخضر أصبحوا يُسعّرون بضائعهم وخدماتهم بالدولار الأميركي من دون أن نعرف السبب.

على كلّ الأحوال، الكارثة التي ينتظرها اللبناني لن تأتي من المالية العامّة ولا من الاقتصاد ولا من النقد، بل من الشق الاجتماعي!

كارثة اجتماعية

السلوك الاستهلاكي للمواطن اللبناني هو سلوك غير طبيعي لبلد اقتصاده مبني على الخدمات. فقد بلغ حجم الاستهلاك في بعض السنين التي خلت أكثر من 100% من الناتج المحلّي الإجمالي، وهنا يُطرح السؤال عن مصدر تمويل هذا الاستهلاك. في الواقع القروض المصرفية هي التي كانت تموّل هذا الفارق بين ما يجنيه الشخص (ناقص الضرائب التي يدفعها) والاستهلاك الذي يقوم به. أمّا البعض الأخر، فقد كان يُموّل استهلاكه من الفساد الذي يُمارسه من خلال أنشطته الخاصة أو العامة.

اليوم ومع اعتماد المصارف سياسة انكماشية في القروض، ستكون هناك صعوبة في تمويل الاستهلاك. وبالتالي لم يعد لدى المواطن أو حتى الشركات القدرة على تمويل مشترياتهم من خلال القروض نظرا إلى الفائدة المُرتفعة (هذا مثلا حال من كان يشتري سيّارة كل عدّة سنوات). هذا الأمر سيؤدّي حكما إلى خفض النشاط التجاري الداخلي وبالتالي العديد من الشركات مُرشّحة للإقفال وصرف موظّفيها. الجدير ذكره أن طلب الدولة اللبنانية على الأموال هو السبب الرئيسي وراء ارتفاع الفوائد.

هذا الأمر سيؤدّي إلى ظاهرة ليست موجودة في علم الاقتصاد لكن يُمكن لنا القول انها ظاهرة اقتصادية ألا وهي «عودة كل شخص إلى حجمه الطبيعي»، أي بمعنى آخر لن يكون بعد اليوم من استهلاك أكثر من المدخول للأشخاص الذين كانوا يُموّلون استهلاكهم من خلال القروض. أمّا الذين يُمارسون الفساد، فسيستمرون بالاستفادة من التمويل من نشاطهم غير الشرعي إلى أن يؤخذ القرار الرسمي بمكافحة الفساد! وبما أن القرار لمُ يُتخذ بعد، لذا ستأتي الضرائب حكما في مشروع موازنة العام 2020 والعام 2021 (أقلّه) وستزيد من مُشكلة ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين مما سيؤدّي على المدى القصير إلى المتوسّط إلى زيادة نسبة الفقر التي هي أصلا في مستويات مُرتفعة (أكثر من 33%) لا نستطيع تقدير حجمها بسبب ضعف الأرقام المُتوافرة.

 الحلّ موجود لكن...

عند مواجهة أي مُشكلة، يكون العلم في الانتظار لتقديم الحلول! وهذا الأمر يصحّ أيضا في حالة لبنان هذه. العلم يقول ان لا حلّ لأزمة لبنان إلا بمحاربة الفساد والهدر لأن كل الأبعاد الأخرى للمُشكلة تمّ استنزافها. فتمويل الفساد والهدر في السابق، كان يتمّ من خلال استدانة الدولة إلى أن أصبح الدين العام في مستويات جعلت لبنان من أكثر البلدان مديونية! اليوم ومع صعوبة الاستدانة وضعف الإيرادات والمخاطر الاجتماعية الناتجة من الضرائب، لا يوجد أي وسيلة أخرى إلا محاربة الفساد والهدر. نعم إنها الوسيلة الوحيدة المُتاحة أمام الحكومة اللبنانية وتحتاج إلى قرار جريء من قبل القوى السياسية المُشاركة في الحكومة.