في الثالث والعشرين من ايار قبل تسع عشرة سنة، تحول «قائد» معتقل الخيام الى «دالول»، للفلول المنهارة للميليشيات المتعاملة مع الاحتلال المسماة «جيش لبنان الجنوبي»، يقودهم باتجاه المستوطنات الاسرائيلية القريبة من خط الحدود، وبخاصة مستوطنة المطلة الملاصقة لسهل الخيام والقريبة من المعتقل ومن بلدات كفركلا وعديسة ومرجعيون التي شكلت عند الاحتلال «العاصمة» لـ «الجيش» التي اراده اكياس رمل راهن ان تحمي مستوطناته الشمالية.

وقف فريق الجلادين في معتقل الخيام، يستجدون «الخياميين» من اهالي البلدة الذين كانوا شهودا على التنكيل والتعذيب الوحشي الممارس على المعتقلين، الذين حولوا اجسادهم الى سد بشري امام مداخل ومنافذ المعتقل، في انتفاضة لم يسبق ان سُجل مثيلٌ لها، استجدوهم ليفتحوا الطريق للهرب، مقابل ترك الاسرى سالمين في زنازينهم، فرَّ الحمصي والفاخوري والحايك و...، على وقع غضب شعبي دفع بالاهالي الى اقتحام المعتقل وكسر اغلال الزنازين الجماعية والافرادية، ليخرج المعتقلون والاسرى يحملون بنادق الجلادين وهم يطلقون الصرخات تهليلا باللحظة التي لم يكن احدٌ ليتوقعها، تحرَّر المعتقل بشرا وحجرا... من جلاديه وانهارت احد اكبر معاقل الاحتلال، لترتسم العلامة الاكثر تعبيرا عن هزيمة الاحتلال وانتصار المقاومة.

معتقل الخيام... «توأم» المعتقلات النازية

ما جرى في معتقل الخيام الذي رشحته منظمات انسانية وحقوقية دولية ليُصَنَّف وبجدارة، «توأما» للمعتقلات النازية، من تقهقر وانهيار للفريق الامني الذي شكله الاحتلال، لادارة المعتقل وممارسة شتى اصناف التعذيب، تزامن مع انهيار تام لامبراطورية جيش لبنان الجنوبي واخذت شكل دولة ممسوخة يرعاها الاحتلال، وتناوب عليها ضابطين سابقين في الجيش اللبناني سعد حداد وانطوان لحد، و«استضاف» الاحتلال قرابة الـ 7000 آلاف عنصر من ميليشياته، بعد ان اذلَّهم عند عبورهم البوابات الحدودية للاحتلال، ومع تزايد التضييق الذي مورس عليهم، استجابة للجمهور الصهيوني الذي رفض التعايش مع لبنانيين «خانوا بلدهم من اجل بلدنا! متى ينقلبون علينا؟»، وتتحدث الاوساط المتابعة لملف العملاء داخل فلسطين المحتلة، ان عدد اللبنانيين الذين كانوا في عداد ما كان يسمى «جيش لبنان الجنوبي» والذين لجأوا الى الكيان الاسرائيلي وما زالوا يقيمون في عدد من المستوطنات، يبلغ قرابة 2800 شخص من اصل اكثر من 7 آلاف كانوا قد دخلوه في غداة التحرير في ايار العام 2000، بعد ان لجأت اعداد كبيرة الى الولايات المتحدة الاميركية ودول اوروبية ودول افريقية.

} عمالة عابرة للطوائف }

لم تكن العمالة للاحتلال الاسرائيلي طقسا من طقوس هذه الطائفة او تلك ، تؤكد الاوساط، بل كانت عابرة للطوائف والمذاهب، وتستغرب الاصوات التي ارتفعت مؤخرا، مع كشف محاولة «التسلل» التي نُظِّمَت للعميل عامر الفاخوي «جزار معتقل الخيام»، والتي راحت تُسَوِّق على ان ملاحقة لبناني عميل للاسرائيليين ومتهم بارتكاب مجازر بحق معتقلين واسرى لبنانيين قاوموا الاحتلال والمطالبة بمحاكمته، تستهدف طائفة معينة!، وتلفت الى ان من يطَّلع على اللوائح الاسمية للعملاء الذين تعاملوا مع الاحتلال داخل المناطق اللبنانية المحتلة على مدى 22 عاما، يدرك تماما ان عدد العملاء المنتمين الى الديانة الاسلامية (شيعة وسُنة ودروز) يفوق عدد العملاء المنتمين الى الديانة المسيحية، وفي ارشيف عمليات المقاومة التي استهدفت رموز كبيرة من العملاء، حقائق تُثبت ان عدد العمليات التي استهدفت رموز العملاء «المسلمين» يفوق بكثير عدد العمليات ضد العملاء «المسيحيين»، وتشير الى ان المقاومة استهدفت في تموز العام 1997، العميل اميل نصر قائد الفوج العشرين في ميليشيا «جيش لبنان الجنوبي» في جزين مع مرافقيه، وعلت اصوات تتهم المقاومة بقتل المدنيين، علما ان نصر كان المسؤول رقم واحد في جيش العملاء في منطقة جزين.

يومها ردَّ امين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله بقوله: «ان المقاومة لا تستهدف المدنيين، والذين قتلوا هم عملاء، وعبوات المقاومة ليست عمياء والمقاومون يعرفون جيدا من يستهدفون»، وفي كانون الثاني عام 2000، استهدفت عبوات المقاومة الرجل الثاني في ميليشيا جيش لبنان الجنوبي العميل عقل هاشم الذي كان مرشحا لخلافة انطوان لحد، وقد اثبت «حزب الله» في فيلم فيديو، ان المقاومين لم يفجروا العبوات في المرة الاولى لوجود احد اطفال العميل هاشم، لتجنب اية خسائر مدنية، ورغم ذلك شُنَّت حملة ذات طابع طائفي ضد المقاومة، علما ان في جعبة المقاومة العديد من عمليات التصفية التي طالت العشرات من رموز المتعاملين مع الاحتلال ممن ينتمون الى الطائفة الشيعية، ولم يجرؤ احد على رفع صوته دفاعا عن عميل واحد، ولم يسبق ان عاد احد من هؤلاء الى لبنان، من مستوى العميل عامر الفاخوري او اقل.

المثير للشفقة، تخلص الاوساط، أن مجموع العملاء المتبقي داخل «الكيبوتزات» الاسرائيلية، وان كانوا «ناقمين» على سلطات الاحتلال، جراء الاذلال الذي ما زال يُمارس بحقهم، وحال التردي المريع في الخدمات التي تقدمها لهم، مقابل سنوات طويلة من الخيانة والتعامل، يصرون على انهم كانوا يدافعون عن سيادة لبنان، ولو ببنادق الاحتلال وبرعايته وبأوامره، والمستغرب ان يُفاجأ بعض اللبنانيين على حملة التنديد والاستنكار على دخول عميل مرموق في العمالة للاحتلال بمستوى عامر الفاخوري الى لبنان، مع انه «رفض» ان يُستَقبل في صالون الشرف!، فهل المطلوب رفع القبعة لامثال هؤلاء ومكافأتهم على خيانتهم، بانقاذهم من الجحيم الاسرائيلي واعادتهم الى لبنان؟، ربما تليق بهم الاوسمة الوطنية!.