المحامي ناضر كسبار

كان الشيخ ادمون كسبار بارعاً في الغوص على مخابئ الحلول واصطياد الاكتشافات ثم تطويعها في خدمة قلمه وكفاحه في قضية. يتتبعها يلحقها يلصق بها يحارب فيها يستنفد كل طرقها. حتى نهاية النهايات. على ان ذلك الكفاح لم يكن في اي حال كلفاً او ظلفاً او تلفاً او ضنىً او هوايةً او نكايةً او متاعب مهنة. بل ظل ابداً دعوةً في الحياة ولذةً وسليقةً وطبعاً وغريزةً في النفس جعلته فارساً ماهراً ومصارعاً عنيداً ومحارباً اخشن الجانب من النادر في ساحات القانون ان ينكسر نصله او ان يفري احدٌ فريّه.

ولان القانون دعوة وكهانة، فكان يعتبر وهو وزير ان الوزارة بائدة حتماً وعلى زوال، وصدف يوم «اثنين الرماد» وكان وزيراً، فاذا به يقول لي مازحاً وفي صوته صدى اشيتاق: «اذكر يا انسان انك من المحاماة والى ترابها تعود».

الكد القانوني كان له قتالاً او لعبة او قل الهاماً نبت فيه ونبغ معه وتغذى في ظلال والد فقيه هو الشيخ الياس كسبار كانت الشريعة وتتماتها من اشياء بيته على ما يقوله العارفون. فادمون كسبار الابن الذي اسس مدرسة في فن المحاماة لم يؤسس مكتباً في بداياته. كان هذا المكتب موجوداً. مكتب والده. حديقة غناء فيها من الثمار والشهيات ما لذ وطاب. فحفظ الخلف للسلف حباً كان شغفاً ورفع رسمه فوق رأسه كصورة قديس.

كان يجند في سبيل تلك الطبيعة اوالفطرة اناقةً في العرض والسبك والسرد والاخراج قل نظيرها. يكتب الصفحة ويملاها فاذا هي مرتاحة والبياض فيها قليل. وقليل ايضاً ان يعمل فيها الشطب والمحو والمراجعة والتغيير. ذلك انه لا يتناول القلم الا بعد ان تكون الفكرة قد اكتملت وشخصت في علبة عقله وخططه وفي تجاليد تدبيره. لا يهوى الصور والاستعارات والكلام الشعري والتعابير البيانية. يكره الزائد وكل ما لا لزوم له، وان كرهه هذا لصارم ودقيق. واذا كانت النبرة الخطابية تهز قلبه وتطربه فشرط ان يسمعها من خطيب اصيل. لكنه يأباها ويأبى استدراجها الى اوراقه فيما ينظم هو ويكتب ويقول. فالثرثرة لم تعرف عدواً لها اشرس منه، ولا اعرف احداً قهرها مثلما قهرها قلمه كرهاً وتورعاً واحتقاراً.

ذلك ان الرجل كان جدياً الى اعلى مراتب الجدية. يمقت السهولة ويرفضها رفضاً وقحاً غير محابٍ او مهادنٍ في اي حال. يصادق الصعب والمعدن الصلب، على ان الصعوبة في عرفه ليست نقيض الوضوح بل العكس هو الصحيح، فالغموض هو دليل سوء نية. ولذا كان ابرز ما يطبع اسلوبه الصفاء ونقاوة الانشاء. فالفكرة لا تكون سهلة المنال الا اذا اوشكت ان تصبح لحناً. غير ان لا بد لها من ان تمر في مخاضٍ عسير لكي تصير ذلك اللحن. او لكي تصبح تلك اللوحة القشيبة كما كانت لوائحه وكتاباته.

كان متعبداً للايجاز قضابةً مرناً في اقتضاب الوقائع تخرج من شق يراعته نقية كالماء القَراح او ساطعةً كقطعة من نور. فكم من مرة قيض لي ان اسمع المستفسرين والسائلين من اصحاب المصالح يعرضون لوقائع قضاياهم فاذا هي ركام مختلط واكداس قصصٍ اين لمنجم ان يجمع شتاتها او يجد لها لحمة. لكنها اذا مرت في ريشته فإنها تطلع لوحاً شفافاً بسيطاً بارز الخطوط مفهوماً. يصعب عليك ان تنتزع منه كلمةً واحدة ولو اغتصاباً.

كان يصنع الوقائع من جديد. يستغني فيها من دون شفقة او انصياع عن كل ما يستحق الاستغناء. يجردها يشذبها يعريها ليقتحم قلب المسألة حفراً ونقضاً وتغريزاً. انه المنطق الروماني الاثيل، منطق بابنيانوس، الذي تتدرج المسألة القانونية وتتسلسل بين يديه عبر مرحلتين فكريتين تتتابعان او من خلال طرحين ذهنيين اثنين يتواليان: يبدأ الاول بطرد كل ما لا يتصل بالموضوع ورميه بعيداً خارج الدائرة. ثم يأتي الثاني، وهو الجوهر والمبتغى، منحصراً في دائرة الموضوع ومتجمعاً في مركز انجذابه.

قال له مرة احد القضاة: «قرأنا لوائح خصمك فلم نفهم، وقرأنا لوائحك ففهمنا ما يقول» واذا آتاه من يقص عليه وقائع قضية فكثيراً ما يقاطعه ليتابع هو عن محدثه وقائع القضية. لان ما سمعه كان كافياً لجعله يحزرالباقي ويتنبأ بالخاتمة.

ذلك ان الوقت في ازدحام مشاغله وزحمة انشغاله ثمين جداً، وان ضياعه هو ضياع للحياة والثروة وانتاج العمر. فضلاً عن ان اللجاجة كانت عنده من فرط الذكاء ويقظة الخاطر وسرعة البادرة. تحضره النكتة اذا شاء، يستلذ سماعها ويتقنها جارحةً غير قاتلة كانت او لابسةً ثوب الظرف والمداعبة فذات يوم قرأ نبأ وفاة اسقف يعرف بخله فعلق ضاحكاً: «حتى اذا خسر نفسه فلن يخسر حسنة قداس لخلاصها».

ولان هدف المحامي، المحامي الاصيل، هو خدمة القضية التي يتولاها في اطار من العلم والشرف والانفة والزمالة حصين، فلقد كان قاسيا في انتقاء قضاياه. فما عرفته تولى قضية لا تحوز اقتناعه المكين. على ان معيار تصرفه دوماً وباعث تصميمه هو نظرة القانون اليها ورأي الاجتهاد فيها، يعرفها معرفة جمة وعن ظهر قلب. واذا انتقدهما فبرصانة واتزانٍ وسدادٍ وشوفة نسرٍ من قممٍ عاليات. ففي ادارج مكتبه الذي كان فقيراً ومعبد علم ووقار، بعضٌ من الامثلة كيف كان على دروب القضاء والاجتهاد مرشداً وهادياً كما نابذاً ومجدداً وداّكاً لاصنام.

وعلى هذا فأكثر ما يضيره ويثيره ان يُغلّب القاضي انصافاً موهوماً على نص صريح. او ان يضل عنه تحت ستار التفسير. او ان يسلك مسلك الابتكار بينما ابتكاره هو في الواقع شطط وشذوذ. ثمة رئيس في التمييز رحمه الله قال له مرة ان الموصي كاد ان يميت اخاه جوعاً فحسناً فعلنا بابطال وصيته... انتفض مجيباً بل معاتباً بأنه كان على محكمة التمييز ان تعتمد حيثية التجويع هذه في قرارها فربما كنا نفهم القرار!

كنت مُنيتُ نفسي بأن اكتب فيه كتاباً والفصول، فعسى ان تبرَ بأمنيتي زحمة الايام. ذلك ان قلائل مثله كان لهم ما له مع القانون من طرائف وحكايات، وكان القانون في نفوسهم سليقةً وجهاداً وولهاً وحرفةً وكهنوتاً.