عامر فاخوري مهما فعل وندم سيبقى غريبا عن الوطن مهما مر من الوقت واجرامه لا يمكن ان يسقط وتعذيبه للبنانيين دون رحمة ثم تلازمه مع «الاسرائىليين» في المسار السياسي بعد هروبه من لبنان.

وهو وباقي العملاء الذين عن قناعة تعاملوا مع العدو الاسرائىلي وليس تحت ظروف قاهرة اضطروا للرضوخ من البديهي محاسبتهم ومقاضاتهم لتحقيق العدالة. ولذلك من اعتبر ان عودة عامر فاخوري الى لبنان ستكون سهلة اخطأ تقدير ردة الفعل في مسألة حساسة ودقيقة جدا ققرار تشجيع الفاخوري على العودة قرار مقترن بغباء سياسي وقلة ادراك لخطورة ما يفعلونه وما سيترتب من تداعيات عودته عند ابناء الجنوب الذين لا يزال الجرح نابضاً فيهم والتعذيب باقياً في ذاكرتهم ومرور السنين لم تمح قسوة امثال الفاخوري ضد ابناء وطنهم.

والحال ان فور انتشار خبر وجود الفاخوري في لبنان بدأت ردات الفعل الغاضبة المعارضة لرجوعه الى لبنان وعاد بعض اللبنانيين من بين الذين ذاقوا الامرين من الفاخوري مباشرة الى رفع الصوت وإدانة من ادخله ومن اعتبر ان القانون يجيز عودة اناس ارتكبوا جرائم تسقط تباعا مع مرور مدة معينة من الزمن.

ومن بينهم كانت المناضلة سهى بشارة التي واجهت الغطرسة الاسرائيلية بشجاعة قل نظيرها وعلمت ان النضال ستكون له محطات قاسية فسجنت في زنزانه انفرادية في سجن الخيام لمدة 15 سنة ومع ذلك لم يثنيها السجن عن املها في ان التحرير آت والجنوب سيعود للوطن والحرية للاسرى. هي ايقونة المقاومة وقدوة في النضال والتضحيات والزهد في الحياة في سبيل الوطن. اما قيام المناضلة سهى بشارة بتوجيه اتهام للتيار الوطني الحرّ بنيات التطبيع مع الدولة العبرية بعد قضية الفاخوري فهنا بالغت في موقفها وفي ردة فعلها. لغة التخوين ليست جائزة بين مناضلين وحزب سياسي لبناني ايضا قدم تضحيات في سبيل المحافظة على سيادة لبنان ولذلك تخوين الاخر لا يفي الشهداء والمعذبين حقهم بل على العكس يؤذي المجتمع اللبناني بأجمعه ويولد حالة من التوتر والشحن الطائفي والمذهبي والغرايزي. ليس جائزا التشكيك في وطنية الاخر في البلد الواحد؟ ولا احد يملك الحق في ان يخوّن الآخر ويتهمه بمخططات سيئة يريد تنفيذها في لبنان من جراء حادثة واحدة؟

بيد ان التطبيع مع «اسرائىل» امر مرفوض رفضا مطلقاً ومن جميع الاحزاب السياسية وتعزز هذا المفهوم اكثر فأكثر مع وجود حزب الله الذي زرع ثقافة مواجهة العدو الاسرائىلي وتبيان مخاطره على الدولة اللبنانية وعلى شعبها. ايضا الحزب القومي السوري كان له دور ريادي في مقاتلة اسرائىل وفي تعزيز الثقافة القومية في الامس والحاضر والمستقبل. الا انه في الحقيقة وجود حزب الله تحول الى حصن منيع امام مشاريع «اسرائىل» التقسيمية وكان الرمح الرادع لمحاولتها بث سمومها في الداخل اللبناني عبر افكار تقسيمية وطائفية تصب في مصلحة الدولة العبرية لا مصلحة لبنان.

من هنا نرى ان التطبيع امر ساقط ولا داعي للخوف منه، الا ان حادثة فاخوري والعملاء المستبعدين كشفت ان اي حل او اتفاق خارج مؤسسات الدولة لمقاربة ملف العملاء والمبعدين عن ارضهم سيكون ناقصا ويعتريه الكثير من الثغر وخير دليل على ذلك ان صدمة الفاخوري في لبنان لم يمتصها الشارع اللبناني ولم يتمكن التيار الوطني الحر او المقاومة في التعامل مع هذا الموضوع بالصفة الحزبية بل تبين ان الفاخوري يجب ان يمثل امام المحكمة العسكرية التي تقضي صلاحياتها بإصدار القرارات في هكذا ملفات.

وبما ان ملف العملاء هو ملف حساس ويعني الدولة وجميع الاطراف المشاركة في الحكم في مقاربة هذا الملف وبالتالي لا يجب شجب ملف العملاء والمبعدين عن لبنان عن مجلس الوزراء ومجلس النواب والقضاء اللبناني. فان اي اتفاق خارج اطار الدولة والمؤسسات حول ملفات اساسية ودقيقة يكون غير عملي على ارض الواقع حتى لو تم توقيعه بين اقوى حزبين على الساحة السياسية اللبنانية.

ففي التفاصيل، تضمن الاتفاق الذي حصل بين التيار الوطني الحر وحزب الله تضمن فقرة عن «اللبنانيين في «اسرائىل» ودعوتهم للعودة الى لبنان اخذين بعين الاعتبار كل الظروف السياسية والامنية والمعيشية المحيطة بالموضوع... لذلك نوجه نداء لهم بالعودة السريعة الى وطنهم استرشادا بنداء سماحة السيد حسن نصرالله بعد الانسحاب الاسرائىلي من جنوب لبنان واستلهاما بكلمة العماد عون في اول جلسة لمجلس النواب». اما عندما بدأت الاقوال تترجم الى افعال في لبنان حول اللبناني في «اسرائيل» بدأت الاصوات المعارضة لذلك تعلو خاصة ان هؤلاء الذين فروا الى «اسرائىل» لم يمثلوا امام المحاكم اللبنانية والقضاء لم يعط كلمته بحقهم وحول مصيرهم.

من هنا، الرجوع الى مؤسسات الدولة يجنب الجميع «دعسة ناقصة» او سوء تقدير لملف يؤدي الى تفجير ازمات طائفية ومذهبية نكون بالغنى عنها. العميل فاخوري سيحاكم ولا نعلم ماذا سيكون قرار الحكم بحقه، الا ان شيئاً واحداً نعلمه انه سيبقى رئىس سجن الخيام الذي رضي لابناء وطنه العذاب والضرب والتنكيل ولذلك سيبقى غريبا عن الهوية اللبنانية وقدسية وطننا لبنان.