«على أمل ألاّ يغوص لبنان، أكثر فأكثر، في الوحول، وفي النيران، الأميركية». الكلام لسفير أوروبي، دولته معنية تاريخياً ببقاء لبنان. لا يعني ذلك غض الطرف عن الدور الايراني في المنطقة وانعكاس ذلك على الفسيفساء اللبنانية.

قال «ان معلوماته تشير الى أن البابا فرنسيس يصلّي كل ليلة كي لا ينفجر الشرق الأوسط، وتزول دول، بما في ذلك لبنان، من الوجود».

استطراداً، نصيحة الى بعض الأطراف اللبنانية بعدم الذهاب بعيداً في الرهان على دونالد ترامب. الرئيس الأميركي لا ينظر الى الآخرين الا كونهم الدمى، أو الحطب البشري الذي يستخدم كوقود للمصالح الأمبراطورية...

لا مشكلة عنده في أن يتناثر كل سكان الكرة الأرضية. المهم ألاّ يعود الجنود الأميركيون بالتوابيت. هذه هي نقطة الضعف التي يلعب عليها الايرانيون.

وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت قالت «الجنرالات لا يضعون النجوم على أكتافهم من أجل أن يرقصوا التانغو مع نسائهم» . أميركا خاضت الحرب العالمية الثانية، وسقط لها أكثر من 700 ألف جندي، لتنزلق الى الحرب الكورية، ومنها الى الهند الصينية، قبل أن يدفع جورج دبليو بوش ببلاده الى المستنقع الأفغاني، ثم الى المستنقع العراقي . الحرب ضرورة سيكولوجية، واستراتيجية، للولايات المتحدة.

المشكلة مع الايرانيين مختلفة جداً. الباحث الاستراتيجي الأميركي أنطوني كوردسمان تحدث عن «نظام حديدي، بايديولوجيا غيبية لا فاصل عندها بين الحياة والموت. الايرانيون وان اشتهروا بأخلاقية حائكي السجاد، وباخلاقية باعة السجاد، لا يستطيعون الا أن يردوا، أياً تكن النتائج. عدم الرد يعني السقوط الجيوسياسي في سائر أرجاء المنطقة، وحتى سقوط النظام».

كالعادة، البيت الأبيض قرع الطبول، كما لو أن التوما هوك ستنقض، في أي لحظة، على رؤوس آيات الله. التصريحات، بالنبرة العالية، جاءت مضحكة. ما لبثت أن استقرت على اتخاذ أشد العقوبات. أي عقوبات؟ لا نتصور أن ترامب سيفرض الحصار البحري، والجوي، على الجمهورية الاسلامية.

قال ان على السعوديين أن يردوا. هو الذي شكك، لمرات عدة، بالقدرات العسكرية لبلدان مجلس التعاون. ما بدا، في الأيام الأخيرة، وحيث الكوميديا السوداء بلغت الذروة، أن الولايات المتحدة مغتبطة، بالرغم من كل ذلك الضحيج، بأن ينتهي الصراع السعودي ـ الايراني الى ما انتهى اليه. لا أحد يمكنه الاعتراض، علناً، على التذبذب الأميركي.

الخليجيون يرفضون الحرب. اذا كانت غارة بعض الطائرات المسيّرة قد أدت الى تعطيل نصف انتاج المملكة من النفط . ماذا يحدث اذا ما استخدمت، في أي حرب، مئات آلاف الصواريخ والطائرات المفخخة؟

في أوروبا، كان هناك من يعتقد أن الصدمة الأخيرة يمكن أن تحدث ثغرة في الجدار. الذي حدث لا يمكن التعامل معه قبلياً. أين مصلحة العرب، وأين مصلحة الايرانيين، في مراقصة الحطام؟

ربما بات دونالد ترامب أكثر جنوناً عقب النتائج الملتبسة، والمعقدة، لانتخابات الكنيست. حتماً، لا مجال لطرح صفقة القرن بمفاعيلها التفجيرية. كل شيء في قاعة الانتظار. المعلق آلون بن ديفيد تساءل ما اذا كانت «اسرائيل» بحاجة الى الحرب للخروج من المتاهة.

الصواريخ، والطائرات الـ«DRONES » أحدثت تغييرات دراماتيكية ان في خارطة القوى، أو في قواعد الاشتباك. لماذا، اذا، اللعب السيزيفي داخل الاحتمال؟ الكل يقول ان ايران وراء الغارة. ماذا تنتظرون للرد، وهل يكفي الكلام الببغائي والممل؟

الحدث، بكل تفاعلاته، أظهر أن المنطقة تدور في الحلقة المفرغة. الحرب الكبرى مستحيلة. الحروب الموضعية استنفدت أغراضها دون طائل. لماذا لا يكون الضرب على الحائط الديبلوماسي؟ آتونا بالمعاول. لا، لا. آتونا بالقفازات الحريرية...