اذا كانت منطقة الخليج ونفطها لم تعد تشكل اهمية استراتيجية للبيت الابيض، كما قال صراحة قبل يومين الرئيس دونالد ترامب، واذا كان يشترط على السعودية دفع المزيد من الاموال لمساعدتها ضد ايران وليس القتال من اجلها، فان هذا يفسر حالة «الاحباط» لدى حلفاء واشنطن على الساحة اللبنانية بعدما تبلغوا صراحة من السفارة الاميركية في بيروت انهم لا يشكلون اليوم اولوية لدى صانع القرار في واشنطن... وهذا ما يفسر استعادة الادارة الاميركية زمام المبادرة بنفسها لقيادة الحرب المالية على الحزب بالتوازي مع رفع منسوب الضغوط على ايران لاعتقادها ان اضعاف طهران سيؤدي حكما الى «سقوط» حزب الله في لبنان...

هذه المعادلة يعرفها كل حلفاء واشنطن في بيروت، ولا يستطيع احد ان يدعي جهله لهذه الاستراتيجية الاميركية التي تواكبها ايضا المملكة العربية السعودية بقرار «الانكفاء» عن التأثير في مجريات الاحداث في لبنان، لكن الفارق الوحيد بين هؤلاء ان ثمة من فهم «الدرس» جيدا ويحاول تحقيق المكاسب في زمن التقليل من الخسائر، ويتقدمهم رئيس الحكومة سعد الحريري، فيما يتخبط الاخرون بفعل تضارب المصالح على الساحة المسيحية وتناقض الاولويات مع الحلفاء، وابرز من يمثل هذه الحالة القوات اللبنانية التي تجد نفسها «محبطة» وانتقلت من موقع الدفاع عن «المكاسب» مع فقدان الامل بتحقيق اي انجازات...

وفي هذا السياق، تؤكد اوساط وزارية مطلعة ان «فكرة» الخروج من الحكومة طرحت على بساط البحث قبل مدة بين رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع وعدد من مستشاريه حيث تمت مقاربة ايجابيات وسلبيات هذه الخطوة بعدما وصل الحوار مع رئيس الحكومة الى «حائط مسدود» بعدما تواصل مستشار الحريري الدكتور غطاس خوري مع «الحكيم» وابلغه ان الحريري غير مستعد ابدا للمخاطرة «بالتسوية» الرئاسية من اجل «لا شيء» وعلى «القوات اللبنانية» ان ترضى بحصتها في التعيينات بما يتناسب مع حجمها في الحكومة، ومن «الآخر» فان رئيس الحكومة كان صريحا بانه لن يخوض «معركة» «كرمى» «لعيون احد»، وكما ابلغ جعجع قبيل تشكيل الحكومة بانه «سيمشي» مع «القوات» او من دونها، فإن مستشاره كرر هذا الأمر من خلال التأكيد ان مجلس الوزراء «ماشي» ولن تكون «آخر الدني» اذا ما خرجت «القوات»، وفي كلامه كانت دعوة واضحة وصريحة لـ«معراب» بالتواضع، وكانت «الرسالة» الاهم التي أبلغها خوري، بان رئيس الحكومة «لم ينس ولن ينسى»، ولم يعرف ما اذا كان يقصد موقف جعجع ابان ازمته في السعودية او موقف «القوات» المتناقض في الحكومة ومجلس النواب من الموازنة...

هذا التواصل «السيىء» بين الطرفين جعل «القوات» تقف مليا عند اتخاذ قرار «المغادرة» من الحكومة، خصوصا ان التواصل مع «الاصدقاء» الاميركيين لم يكن مشجعا، فالنصيحة التي سمعتها «معراب» واضحة من «عوكر»، «لا شيء» سيتغير، ولن تحدث «صدمة» خروجكم اي فارق في الحياة السياسية اللبنانية، فالواقع الدولي والاقليمي غير مؤات، وليس لدينا ما يشجع على خطوة مماثلة، لكن لا يوجد في واشنطن من يريد خوض «معركة» مباشرة في بيروت، ولذلك ما عليكم الا الحفاظ على «المكاسب» بانتظار «المتغيرات»...!

طبعا هذه المناخات دفعت «معراب» الى العودة مجددا الى «بيت طاعة» والاستمرار في حكومة الوحدة الوطنية، كما تقول تلك الاوساط، مع العلم انها باتت تدفع من رصيدها «المعنوي» والسياسي وتسعى الى «شد عصب» جمهورها من خلال التسويق «للمظلومية» التي تتعرض لها من «ذوي القربى» ومن التيار الوطني الحر الذي انقلب رئيسه جبران باسيل على «اتفاق معراب»، لا رهان «قواتي» على خروج الحريري من تموضعه في كنف «التسوية الرئاسية» طالما انها تحقق له مصالحه في «زمن» تراكم الخسائر، «الصراخ» في وجه حزب الله وانتقاد امساكه بقرار «الحرب والسلم»، لن يغير من الوقائع شيئا في ظل استنكاف الدول الاقليمية والدولية عن «المواجهة»، يبقى متاحا الصراع المفتوح مع «التيار البرتقالي» على «قضم» الساحة المسيحية، وهي معركة «صغيرة» «وهامشية» في المعادلات الكبرى، لكن خروج جون بولتون من الادارة الاميركية، وتذبذب» مواقف ترامب تجاه ايران التي تزداد «صلابة» «وجرأة» في المواجهة، وضرب السعودية دون حصول رد حتى الآن، كلها مؤشرات سلبية تجعل من الاهداف المتواضعة «مكسب» غير مضمون لكن في زمن «تقليل الخسائر» «القرقشة» تغني عن «الجوع»..!