صوّتت الجمعية العامّة للأمم المتحدة بغالبية 165 دولة على مبادرة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لإنشاء «أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار» في بيروت، والتي أطلقها خلال الكلمة التي ألقاها في الجمعية العامّة للأمم المتحدة في نيويورك في العام 2017، ومن دون امتناع أي دولة عن التصويت. ويُعتبر هذا الأمر إنجازاً ديبلوماسياً إضافياً يُحقّقه لبنان للسير قُدماً في تحقيق هذه المبادرة التي تُساهم في إرساء لغة الحوار ونشر السلام بدلاً من خطاب الكراهية ونبذ العنف والتطرّف لا سيما في هذه المرحلة الحسّاسة التي تمرّ بها دول المنطقة والعالم. واللافت أنّ الدولتين الوحيدتين اللتين عارضتا مشروع القرار هما: الولايات المتحدة وإسرائيل. فما الذي تعنيه هذه المعارضة؟

أوساط ديبلوماسية مطّلعة أكّدت أنّ موقف الجانب الإسرائيلي كان متوقّعاً والأسباب معروفة سيما وأنّه لا يريد أن يُعطي لبنان أي فرصة لاستقطاب الدول على أراضيه لهدف نبيل يُعزّز نشر السلام في العالم بدلاً من إذكاء الفتن والحروب. غير أنّ موقف الولايات المتحدة الأميركية أتى مفاجئاً بعض الشيء للبنان وكان يُمكن أن يأتي إيجابياً ومتوافقاً مع الدعم الأميركي للبنان الذي يتحدّث عنه الموفدون الأميركيون والسفارة الأميركية في لبنان في كلّ مناسبة. ولهذا قام المندوب الأميركي بعد إعلان النتيجة بشرح سبب معارضة بلاده للمشروع الى الجانب اللبناني، متذرّعاً بأنّه يبقى مبهماً لجهة دور الأمم المتحدة في آليات الإنتساب وسواها من المسائل الإدارية وما الى ذلك.

وأوضحت بأنّ التوافق الإسرائيلي- الأميركي أظهر فعلاً أنّ ما تروّج له أميركا بأنّها تعمل من أجل إحلال مبادرة سلام في المنطقة، والتي تُطلق عليها إسم «صفقة القرن» وتسعى لإعلانها بعد الإنتخابات الإسرائيلية، لا يمتّ الى السلام بأي صلة. كما أنّها ترفض أن يكون لبنان الذي يضمّ 18 طائفة متعايشة فيما بينها، مركزا ومحور هذه الأكاديمية للتلاقي والحوار سيما وأنّه سيكون محطّ أنظار من خلال الدعوة الى إرساء لغة الحوار لدى مختلف الحضارات بدلاً من لغة العنف والإقتتال والحرب. فيما تضع هي «حزب الله» المشارك في الحياة السياسية في لبنان لا سيما في الحكومة والمجلس النيابي، على لائحة الإرهاب وتقوم بتشديد العقوبات الإقتصادية عليه وعلى حلفائه.

والإنجاز الذي حقّقه لبنان، لا يقتصر فقط على تبنّي الأمم المتحدة لمبادرة عون بـ 165 صوتاً، إنّما أيضاً على نجاحه فيما سبق وأن قدّمه من مبادرة رغم معارضة أميركا والجانب الإسرائيلي. وهذا الأمر إنّما يدلّ على عدم مجاراة الدول الكبرى التي صوّتت عليه مثل كندا، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا وسائر الدول الأوروبية والأفريقية، فضلاً عن مجموعة دول عدم الإنحياز ومجموعة أسيا والبحر الهادىء والصين وروسيا والبرازيل، حتى بعض الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة مثل السعودية والأردن ومصر وسواها، عدم مجاراة أميركا على نزعتها في «تقييد» لبنان أو الحدّ من دوره الرائد في الشرق الأوسط على صعيد الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان ونشر رسالة التلاقي والتواصل بين الشعوب المختلفة عن بعضها البعض، وتعميم ثقافة السلام والتعايش والتسامح فيما بينها.

وكشفت بأنّ الرئيس عون سوف يشكر في الكلمة التي سيلقيها باسم لبنان الأسبوع المقبل من على منبر الأمم المتحدة نفسه، كلّ الدول التي دعمت مشروع القرار هذا وصوّتت له، كما سيدعوها فضلاً عن وكالات الأمم المتحدة المتخصّصة، الى تقديم الموارد المتاحة لها لدعم الجهود المبذولة لإنشاء هذه الأكاديمية، على ما نصّ عليه القرار، وذلك لكي يتمكّن لبنان من التحضير لمؤتمر دولي لبدء لغة الحوار خصوصاً وأنّ المنطقة والعالم بأمسّ الحاجة في الوقت الراهن الى التلاقي والتواصل لحلّ الأزمات الكبيرة التي تُعاني منها شعوب العالم. فلا بديل عن الحوار في حلّ النزاعات، على ما يرى لبنان، كما أنّه على السلام أن يُصبح منهجاً للعيش وليس حلماً لا يُمكن تحقيقه للشعوب، وذلك بما يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة وأهدافها، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولجنة التنمية المستدامة للعام 2030.