الاستحقاق الاقتصادي والمالي هو الاستحقاق الاصعب والادق الذي يواجه الحكم والحكومة رغم كثرة الملفات الصعبة والشائكة الاخرى.

منذ اجتماع بعبدا الاقتصادي الاخير برزت اشارات جيدة يمكن التعويل عليها لمواجهة مخاطر الوضعين الاقتصادي والمالي، ولعل ابرز هذه العلامات هو انجاز وزارة المال موازنة العامة 2020 وبدء انخراط مجلس الوزراء في مناقشتها واقرارها لاحالتها في المهلة الدستورية الى مجلس النواب.

وبالمناسبة فان هذه الخطوة تلقى ترحيباً وتقييماً ايجابياً من الهيئات والدول المانحة، لكنها بطبيعة الحال هي واحدة من البنود العديدة المطلوب تحقيقها لوضع لبنان على سكة معالجة ازمته.

اما الاشارة الايجابية الثانية فتتمثل بالتعيينات التي اقرها مجلس الوزراء مؤخراً بغض النظر عن الطريقة التي اتبعت وتتبع للتوافق عليها بين معظم مكونات الحكومة وهنا لا بد من التنويه بالتعيينات القضائية نظراً لاهمية اكتمال الهيئات القضائية ودورها في المرحلة المقبلة خصوصاً على صعيد محاربة الفساد.

ولا شك ايضاً انه بعد اجتماع بعبدا وقبله بوقت قصير برزت تطورات مهمة وايجابية على صعيد تحسين اجواء العلاقات بين اطراف الحكومة، لا سيما بين الحزب التقدمي الاشتراكي وكل من حزب الله والتيار الوطني الحر. وهذا المناخ التصالحي (باستثناء العلاقة مع القوات اللبنانية) ساعد ويساعد في اشاعة مناخ افضل داخل الحكومة، وبالتالي يساهم في ازالة المتاريس بين معظم مكوناتها.

وفي ضوء هذه الاشارات الايجابية الاولية يمكن القول ان لبنان استطاع التقاط انفاسه بعد تقارير المؤسسات المالية الدولية واستوعب الصدمة تمهيداً للدخول الجدي في عملية مصالحة الوضعين الاقتصادي والمالي في المرحلة المقبلة.

ويواجه الحكم والحكومة امتحاناً صعباً للغاية خصوصاً في ظل الظروف والاضطرابات الجادة التي تمر فيها المنطقة والتي تؤثر وتنعكس على لبنان، وكذلك تحت وطأة الضغوط الاميركية التي طاولت مؤخراً النظام المصرفي اللبناني بمعاقبة احد البنوك بحجة التعامل مع حزب الله.

واذا كانت موازنة العامة 2019 قد ركزت على عصر الانفاق واحداث بعض الرسوم والضرائب لتخفيض العجز بضعة نقاط فان الطموح في ان تحقق موازنة العام 2020 مزيداً من تخفيض العجز وعصر النفقات والبدء بترجمة اصلاحات حقيقية على المستوى الاقتصادي والمالي والاداري.

ومع بدء مجلس الوزراء مناقشة هذه الموازنة تطرح تساؤلات عديدة حول مدى النجاح في اقرار موازنة يمكن ان يتجاوز بها لبنان ازمته على طريق اعادة النهوض والاستقرار.

واذا كان اطراف الحكومة مجمعون على وجوب التعاون للتغلب على الازمة وتخفيض العجز، فانهم يختلفون على قضايا عديدة منها السياسة الضريبية، وهم يجمعون ايضا على محاربة الفساد لكنهم مختلفون على طرق محاربتها، خصوصا ان بعض التجارب الاخيرة اثبتت ان هناك حاجة لانقلاب حقيقي على الاداء الذي مارسه اهل السلطة منذ فترة طويلة.

وعشية مناقشة الموازنة يؤكد مرجع بارز ان هناك حاجة لمشاركة الجميع في تحمل اعباء معالجة الوضعين الاقتصادي والاجتماعي. لكنه يشدد ايضا على عدم تحميل الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل اعباء اضافية لان ذلك من شأنه ان يزيد خطورة الاوضاع الاجتماعية ويمسّ الامن الاجتماعي ما يعني اصابة الاستقرار العام بالصميم.

وبرأيه ان المعالجة يجب ان ترتكز بالدرجة الاولى على:

1- ترشيد الانفاق.

2- وقف الهدر ومحاربته في كل الادارات والقطاعات.

3- وضع خريطة طريق جادة لمكافحة الفساد.

4- تنفيذ خطوات حقيقية لتشجيع الاستثمار.

5- تطبيق قرارات سيدر.

6- معالجة مشكلة الكهرباء بعد ان وضعت خطتها على سكة التنفيذ.

وفي محاربة الهدر والفساد يكشف مصدر وزاري مطلع عن ان المعالجة الجدية لمكافحة مزاريب الهدر في بعض الوزارات والقطاعات الحيوية التي تعتبر مصدر مهم لتغذية الخزينة يمكن ان يوفر للدولة ما لا يقل عن ثلاثة مليارات دولار في فترة معقولة.

ويضيف المصدر ان احد نماذج محاربة الفساد هو في ما توصلت اليه لجنة الاتصالات النيابية حتى الان حيث يمكن توفير ما يزيد عن ثلاثمئة مليون دولار لصالح الخزينة من قطاع الهاتف الخليوي ونظام الاتصالات. ويشار هنا الى ان وزير الاتصالات محمد شقير تحدث شخصيا عن ان الوزارة بصدد اجراءات في هذا المجال توفر للدولة حوالى ستين مليون دولار.

وبرأي المصدر ان هناك اجراءات وخطوات عديدة يمكن سلوكها لمحاربة الهدر والفساد وبالتالي سدّ ثلثي العجز من هذه الخطوات.

ويعترف ان هناك صعوبة في محاسبة المسؤولين عن مثل هذا الهدر في العديد من المؤسسات والقطاعات والادارات لأسباب معروفة تتعلق بنظام المحسوبية الطائفية والمذهبية، ولكن على الاقل نستطيع جميعا ان نوقف الهدر والفساد من الان وصاعدا، وهذا امر في متناولنا وعلينا ان نتحمل مسؤولياتنا لتحقيقه والاّ فإننا سنبقى في دائرة مفرغة.