«قامت الدنيا ولم تقعد»، هذا التعبير ينطبق واقعاً وفعلاً، على الحملة التي انبرى الى افتعالها بعض الاطراف في لبنان وخاصة «القوات اللبنانية»، بما خص ما يسمونه «التهريب» للبضائع والسلع عبر الحدود ما بين لبنان وسوريا، حتى ان هذه الاطراف اندفعت في تضخيم ما يحصل من عمليات تهريب بسيطة يقوم بها بعض الاشخاص من لبنان الى سوريا وبالعكس، الى حدود إيهام الرأي العام اللبناني بأن الهدر والتهرب الجمركي الذي بلغ ارقاماً خيالية مرده الى ما يحصل من تهريب وتحديداً من سوريا الى لبنان.

الا ان الوقائع على الارض - وفق جهات سياسية مطلعة بالتفاصيل على طبيعة ما يجري من تهريب - تؤكد ان هذه الحملة ليست بريئة، بل مضمونها سياسي بامتياز، يريد القيمون من ورائها ملاقاة الاندفاعة الاميركية - الغربية التي تستهدف محاصرة سوريا، حتى بما خص بعض الاحتياجات الانسانية والحياتية البسيطة، ولذلك تتوقف الجهات المعنية عند مجموعة معطيات تصب في المنحى السياسي لهذه الحملة، وليس الحرص على اموال الخزينة ابرزها الاتي:

1- لقد انجز الجيش اللبناني وبالتنسيق مع الجيش السوري عبر اللجنة المشتركة خلال الاشهر الماضية سلسلة من الخطوات والاجراءات ع طول الحدود اللبنانية - اللسورية لمنع التهريب في الاتجاهين، حيث أقام كل الجيش اللبناني والسوري حواجز طالت اكثر من 95 بالمئة من المعابر بما في ذلك المعابر التي لا تصلح لمرور السيارات الصغيرة والمتوسطة التي كان يستخدمها المهربون، حيث طالت هذه الاجراءات المعابر التي كان يستخدمها الاشخاص او من خلال استخدام «الدواب»، من حمير وغير ذلك لنقل المنتجات الزراعية او غيرها، وبالتالي جرى اقفال هذه المعابر بالسواتر، وكان بامكان هذه الاطراف لو كانت نواياها صادقة الاطلاع على الاجراءات من الجهات اللبنانية المعنية، خاصة من قيادة الجيش اللبناني، في وقت تحدث وزير الدفاع الياس بو صعب لاكثر من مرة عن هذه الاجراءات وما اتخذه الجيش من اجراءات واقامة من حواجز، اضافة الى طبيعة البضائع التي تهرب من سوريا الى لبنان وكلفتها.

2- ان الكمية الاكبر مما يتم تهريبه من سوريا الى لبنان، هي منتجات زراعية محدودة في معظمها، في حين ان مما يتم تهريبه من لبنان الى سوريا، في نسبتها الكبرى ادوات منزلية وكهربائية او بعض الالكترونيات ومشتقات نفطية يفترض ان يكون تم مسبقاً دفع الرسوم عليها للخزينة اللبنانية لمرورها عبر مرفأ بيروت او المرافئ الاخرى.

3- ان ما تبقى من معابر يتم من خلالها عمليات التهريب، هي معابر محدودة ومراقبة من الجيش اللبنانية او السوري، وجرى اقفالها بالسواتر الترابية، وبالتالي يعمد المهربون الى فتحها بين الحين والاخر ليعود الجيش ويقفلها بالسواتر ومعظم هذه المعابر موجودة في وادي خالد وعلى حدود قضاء عكار، وهي بحدود ستة او سبعة معابر، والاشخاص العاملين في مجال التهريب معروفين لدى ابناء عكار ووادي خالد، وجهات من اصحاب النفوذ السياسي وينتمون الى جهة سياسيها لها ممثلون في مجلس النواب عن هذه المنطقة، بينما البعض الاخر من المهربين من التجار الصغار او لقضاء حاجاتهم اليومية من خلال تهريب بضائع او منتجات زراعية بسيطة، في حين ان الكمية الاكبر من التهريب تحصل من لبنان باتجاه سوريا، ولا ينتج عنها خسائر للموازنة ، بينما لا يتم دفع اي رسوم عنها عندما تدخل الى سوريا.

ولذلك، تشير الجهات السياسية المعنية، انه الى جانب مساهمة القيمين بهذه الحملة في حصار سوريا، فهم في الوقت ذاته يغطون حقيقة ما يحصل من تهريب جمركي عبر المرافئ الشرعية اللبنانية، بدءاً مما يحصل في مرفأ بيروت والتي تؤدي الى خسارة الخزينة لمئات ملايين الدولارات بينما التهريب من سوريا الى لبنان لا تتجاوز رسومه بضعة ملايين من الدولارات، وهي بالتالي نسبة لا تقاس بالخسائر التي تتكبدها المالية العامة نتيجة ما يحصل من سمسرات وتهرب جمركي في هذه المرافئ وغيرها من مرافق عامة.

لذلك تلاحظ الجهات المعنية ان هذا التضخيم المتعمد حول التهريب من سوريا الى لبنان، يراد منه في النتيجة الحؤول دون اعادة قنوات التواصل بين الحكومتين، على الرغم من ان هذا التواصل مردوده الايجابي على لبنان اضعاف ما تستفيد منه سوريا، ليس اقلها تسريع اعادة النازحين السوريين الى بلدهم، والتوصل الى تدافقات مشتركة حول عشرات الملفات العالقة، وفي مقدمها عودة «الترانزيت» من لبنان باتجاه الدول العربية وبما يتيح مرورها عبر الحدود السورية.