قضية العميل الاسرائيلي عامر الفاخوري المعروف بـ «جزَّار الخيام» الى تفاعل، والصرخات المدويَّة التي صدحت من افواه العشرات من المعتقلين والاسرى المحررين الذين تجمعوا بالامس في باحة معتقل الخيام وبين ما تبقى من زنازينه، ستكون كفيلة بوضع حد لما يجري من تسيّب وتساهل مع ملف من اعقد الملفات التي خلفها الاحتلال وراءه.

مجددا، تحوَّل معتقل الخيام الى محجة للحشود الشعبية، تقدمهم معتقلون واسرى كانوا قبل سنوات «نزلاء» الزنازين الضيقة وضحايا لاساليب التعذيب التي مارسها الفاخوري حين كان على رأس فريق من الجلادين والمحققين عمليات التعذيب الجسدي والنفسي، وقد استعاد الاسرى والمعتقلون المحررون ذكريات الايام، والتقى من جمعتهم الزنزانة الواحدة والتعذيب الواحد، ليرووا بعضا من المعاناة القاسية التي شكلت محطة هامة في مسيرتهم في مقاومة الاحتلال.

الاسيرة المحررة كفاح عفيفي التي اعتقلت خلال تنفيذها عملية في منطقة كفركلا الحدودية في تسعينيات القرن الماضي، والتي امضت قرابة العشر سنوات في المعتقل، تتجه الى الزنزانة التي عاشت داخلها وتحولت الى كتلة ركام، بعد غارات لطيران العدو على المعتقل لطمس آثار التعذيب وكي لا يتحول الى مزار، وتقول كفاح.. كيف ننسى من امر بري القنابل المسيلة للدموع داخل المعتقل ليل 27 تشرين الثاني من عام 1989، ان دم شهداء المعتقل لم يبرد بعد وجرحنا لم يندمل، وشريك حياة كفاح محمد رمضان اسير المعتقل يتفقد زنزانته، وعلى بعض امتار تقف عائلة الاسير زكريا نضر الذي قضى تحت التعذيب تجول في باحة المعتقل، ووالدة الاسير اسعد بزي الذي قضى بعد تعذيب وحشي، ومنعه من متابعة وضعه الصحي الذي تدهور داخل زنزانته، ورجائي ابو همين القادم من الهبارية الى المعتقل الذي غادره قبل سنوات، ليستعيد ما ارتكبه «جلاد المعتقل» بحق المعتقلين، والاسيرة المحررة ناهدة حميد ابنة الخيام التي دفعت ثمن انتمائها الى المقاومة بسنوات اعتقال داخل المعتقل، ويصطحب الاسير المحرر عباس خنافر عائلته التي كونها بعد الافراج عنه من المعتقل، ليدلّهم على الزنزانة المعتمة التي امضى فيها سنوات من عمره، وعائلة الشهداء جميل و يحيى وناصر الشيخ حسين يرفعون صورهم، وهادي الذي اصر على المجيء على كرسيه المتحرك، اراد ان يحيي جدته ام شهداء ..» ام الشهداء التي تحمل مع كل تجعيدة حفرت وجهها سوط جلاد كان يرسم ثلما على اجسام فلذات كبدها، ام جميل لا تغفري للعملاء، فهم يدركون ما يفعلون.

والدة الاسيرة المحررة سهى بشارة منفذة عملية اغتيال انطوان لحد داخل منزله في مرجعيون، جالت على الزنازين، وتوقفت عند واحدة افرادية امضت ابنتها فيها عشر سنوات، وراحت تتفحص الوجوه المتضامنة مع قضية الاسرى، وانور ياسين الذي التحم بالاحتلال في مواجهة بطولية ادت الى اسره، امضى 17 عاما في سجون الاحتلال في عسقلان وهاداريم، جاء ليرفع الصوت لمنع اي تساهل في ملف العملاء، ودعا الى محاكمة الفاخوري وكل متورط في تسهيل عودته.

معتقل الخيام.. في سطور

بسبب اساليب التعذيب الوحشية التي مارسها جلادو معتقل الخيام بحق المئات من المعتقلين والاسرى الذين زُجُّوا في زنازينه الضيقة، ذاع الصيت السيء الذكر للمعتقل، ووصلت صرخات المعتقلين فيه الى كل المحافل الدولية وتصدرت آلام العذابات التي عاشها المعتقلون تقارير المنظمات الحقوقية والانسانية الدولية.

معتقل الخيام، شكل مركز الاعتقال الاكبر داخل المناطق الجنوبية التي خضعت على مدى 22 عاما للاحتلال وميليشياته، منذ افتتاحه في العام 1985، على اثر اقفال المعتقل الجماعي في بلدة انصار، على اثر تحرير منطقة صيدا وصور والنبطية، وحتى فرار الجلادين والحراس مع قوافل الهاربين من جيش الاحتلال، تاركين الزنازين مقفلة على المعتقلين..بانتظار حشود المواطنين الذين اقتحموا المعتقل وحرروا المعتقلين، ويعود تاريخ بناء المعتقل الى زمن الانتداب الفرنسي في العام 1930، وقد استولت عليه الميليشيات المتعاملة مع قوات الاحتلال الاسرائيلي بأمرة كبير العملاء انطوان لحد وباشراف مباشر من اجهزة المخابرات الاسرائيلية التي تولت تدريب فريق من الجلادين على اساليب التعذيب والتحقيق مع المعتقلين والاسرى، وبلغ عدد المعتقلين فيه منذ انشائه خلال خمس عشرة سنة، حوالى الالفي مواطن لبناني وعدد من المعتقلين الفلسطينيين، من بينهم 500 أمرأة وفتاة، اما عدد الذين كانوا في زنازينه حتى يوم خروج الاسرى من الزنازين محررين، يوم الثالث والعشرين من ايار، فبلغ 140 معتقلا، بينهم العديد من الاطفال والمسنين والمرضى.

لا محاكمات في معتقل الخيام، ولا مراقبة للصليب الاحمر الدولي الا بعد سلسلة من الانتفاضات نظمها المعتقلون، فرضت دخول مندوبي اللجنة الدولية الذين نجحوا، وتحت ضغط ممارسة المنظمات الحقوقية والانسانية الدولية، في فرض زيارات دورية لاهالي المعتقلين، وبحسب شهادات معتقلين، فان اساليب التعذيب التي مورست فيه اخضاع الاسرى للتعذيب بالكهرباء على الاصابع واللسان والاعضاء التناسلية وسكب الماء البارد في الشتاء والساخن في الصيف.

معتقلون .. شهداء

من نتائج التعذيب الوحشي بحق المعتقلين، سُجِّل استشهاد ستة عشر معتقلا، وهم اسعد نمر بزي، هيثم دباجة، سليم عواضة، حسين علي محمود، زكريا محمد نظر، عبد الله غملوش، علي عبد الله حمزة، لبيب ابو غيدا، احمد فضل الله ترمس، بلال السلمان، ابراهيم ابو عزة، شوقي خنافر، محمد خليل قطيش، يوسف امين سعد، ابراهيم فرحات وعلي الغول، فضلا عن عشرات المعتقلين ممن عانوا من امراض شتى، جراء غياب الرعاية الصحية وانعدام الشروط البيئية داخل الزنازين،فانتشرت في صفوف المعتقلين امراض متعددة، كالازمات القلبية والربو والتدرن الرئوي والتهابات الجلد والتقرح في المعدة.

اعتصام في باحة المعتقل

احتجاجا على عوة العميل عامر الفاخوري، نظم اعتصام في باحة معتقل الخيام، شارك فيه معتقلون واسرى محررون وعوائل الشهداء الذين سقطوا تحت التعذيب، وقال النائب قاسم هاشم ..لا مكان للعملاء بيننا، ولا عفو عنهم، فيما دعا امين عام الحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب بانزال اشد العقوبات بالعميل الفاخوري وكل من سهل عودته،واكد النائب السابق ناصر قنديل ان لا مجال فيه لسقوط الزمن عن العملاء، فيما اعتبر المحامي معن الاسعد ان من يٌحاكم اليوم، ليس شخص العميل الفاخوري، وانما مبدأ العمالة، وقال الاسير المحرر عباس قبلان ان العميل الفاخوري هو مواطن اسرائيلي وعلى الدولة مبادلته باسرى لبنانيين في السجون الاسرائيلية.