يتعرّض لبنان الذي يُعاني من أزمة إقتصاديّة خانقة، ومن ضائقة مالية مُتفاقمة، لضُغوط دَوليّة كبيرة، تجاوزت في الآونة الأخيرة مسألة المطالب الإصلاحيّة الإقتصاديّة والحياتيّة، لتبلغ مرحلة المطالب السياسيّة - الأمنيّة المُغلّفة بطابع إقتصادي. وهذا ما تظهّر بشكل واضح خلال المُحادثات التي أجراها كلّ من المُوفد الفرنسي المُكلّف مُتابعة تنفيذ مُقرّرات مُؤتمر «سيدر»، بيار دوكان، ومن ثم مُساعد وزير الخارجيّة الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر. فما هي المَعلومات المُسرّبة في هذا الخُصوص؟

بحسب أوساط سياسيّة مُطلعة تسنّى لها معرفة جزء ممّا دار من مُفاوضات، إنّ المطالب التي نقلها دوكان إلى المسؤولين اللبنانيّين، تختلف جوهريًا عن تلك التي نقلها شينكر، حيث أنّ المُوفد الفرنسي شدّد على أن تحريك أموال «مُؤتمر سيدر» لا يُمكن أن يبدأ قبل لمس جديّة في التعاطي اللبناني الرسمي مع الإصلاحات المَطلوبة منه. وأوضحت الأوساط أنّ دوكان كان حازمًا في ضرورة مُعالجة قطاع الكهرباء قبل أيّ شيء آخر، باعتبار أنّ هذا القطاع وحده يتسبّب بخسائر تُقدّر بنحو مليار ونصف المليار دولار من الخسائر السنويّة لخزينة الدولة، الأمر الذي يُشكّل نزفا خطيرا من الضروري إنهاءه بأسرع وقت مُمكن. وتوقّعت الأوساط نفسها أن يستجيب لبنان لهذا المطلب، عبر العمل على أكثر من خط، منها ما بدأ تنفيذه على غرار تكثيف عمليّات جباية الفواتير المُتأخّرة، والتشدّد في قمع عمليّات التعليق على الشبكة وسرقة التيّار، ومنها ما سيبدأ تنفيذه مع مطلع العام 2020 المُقبل، لجهة رفع قيمة فواتير الكهرباء، بحيث سيتحوّل إستهلاك الكهرباء إلى أرباح الدولة بدلاً من أن يكون خسارة لها، علما أنّ الضغط سيكون على جيوب المُواطنين الذين سيُضطرّون لدفع فواتير مرتفعة ومزدوجة للحُصول على الكهرباء، لأن رفع قيمة الفواتير الكهربائية سيسبق عمليّة التخلّص نهائيًا من مُحركات الكهرباء الخاصة كما كان مُقرّرا سابقا قبل التعرّض للضغط الدَولي!

وأوضحت الأوساط السياسيّة المُطلعة أنّه إضافة إلى إصلاح قطاع الكهرباء، شدّد المُوفد الفرنسي على ضرورة إعادة تأهيل وهيكلة القطاع العام، وزيادة إنتاجيّة المُوظّفين، من دون فتح الباب لأي توظيفات جديدة، من خلال إعادة توزيع الفائض في الإدارات على الإدارات التي تُعاني من نقص. كما طالب أيضًا بالمُضيّ قُدمًا، في تحسين إجراءات مُكافحة التهرّب الضريبي، والتهريب الحُدودي، وتحصيل الضرائب والرسوم بشكل كامل، وووقف مزاريب الهدر ودائما بحسب الأوساط نفسها التي أشارت إلى أنّ المطلب الأساس تمثّل في تنظيم صرف الأموال وفق مُوازنات شفّافة تصدر في وقتها من دون أيّ تأخير.

وكشفت الأوساط السياسيّة المُطلعة أنّه وفي حين مارس المُوفد الفرنسي ضُغوطًا إقتصاديّة، وربط مُساعدات «مؤتمر سيدر» المالية بتنفيذ الإصلاحات، مارس الموفد الأميركي ضُغوطًا سياسيّة وأمنيّة مُغلّفة بجوانب إقتصاديّة. وأشارت إلى أنّ مُساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ربط مُباشرة لبنان بإستثمار ثروته النفطيّة والغازيّة بالتفاوض مع «إسرائيل» في هذا الملفّ ولوّ بشكل غير مُباشر وعبر الوساطة الأميركيّة. وأوضحت أنّ شينكر أوصل رسالة للمسؤولين اللبنانيّين مَفادها أنّ فتح الباب أمام إستخراج الغاز والنفط وبدء أعمال التصدير وشروع الشركات العالمية في الإستثمار في قطاع المُشتقّات النفطيّة، لا يُمكن أن يتم في ظلّ إستمرار الخلاف على ترسيم الحدود البحريّة مع «إسرائيل»، ما يستوجب العمل أوّلاً على حلّ هذه المُشكلة، لتمهيد الأجواء لإنطلاق الأعمال ولبدء كسب الأموال الطائلة المَوعودة.

وكشفت الأوساط نفسها أنّ شينكر أبدى تململه من إستمرار تسلّح حزب الله، مُعتبرًا أنّه من الضروري تعزيز سُلطات قوّات الأمم المتحدة العاملة في الجنوب لتكون قادرة على مُداهمة المنازل التي يُشتبه بتخبئة الأسلحة والصواريخ فيها، لكنّه سمع كلامًا مُعارضًا من جانب المسؤولين اللبنانيّين الذين أكّدوا له إستحالة تنفيذ هذا الأمر، وشرحوا له حساسيّة الموقف اللبناني من كلّ الجوانب. وأضافت أنّ شينكر قال إنّ هذا الموضوع غير مطروح للتنفيذ حاليًا، بعد التوافق على تمديد مهمّات القوات الدَوليّة في الجنوب من دون تعديل مهمّاتها، على أن يتم البحث فيه من جديد عشيّة موعد التجديد المُقبل لقوات «اليونيفيل».

وختمت الأوساط السياسيّة المُطلعة كلامها بالقول إنّ لبنان الذي واجه بنجاح كل الضُغوط الأمنيّة والعسكريّة، إن المتأتية من الجماعات الإرهابيّة أو من «إسرائيل»، يتعرّض حاليًا لضُغوط ضخمة، إقتصاديّة - ماليّة مُباشرة حينًا، وسياسيّة أمنيّة بغلاف إقتصادي حينًا آخر، ما يجعل الوضع الحياتي المعيشي مَرهونًا ليس فقط بإجراءات داخليّة مطلوبة بإلحاح، إنّما باعتبارات خارجيّة لها علاقة بالسلاح الإقتصادي الذي باتت تستخدمه الإدارة الأميركيّة بفعاليّة ضُدّ خُصومها وحتى مع حلفائها، عبر إستهداف مصارف وشركات وحتى رجال أعمال وشخصيّات سياسيّة، إلخ.