على مشارف نهاية عام 2019 اقرت الموازنة وذلك بعد مشاحنات سياسية طويلة احيانا للمزايدة واحيانا للتعطيل، وحصل التأخير في دفع الاموال المستحقة على الدولة، لكن رئيس الجمهورية في جلسة مجلس الوزراء اعطى توجيهاته بدفع الاموال المتسحقة على الدولة للمؤسسات العامة والمستشفيات الخاصة وغيرها، واذا كان يحصل التأخير في دفع الاموال فليس بسبب وزير المالية الجاهز لدفع مستحقات الناس بل بسبب الروتين الاداري حيث ان بعض الاموال يحتاج صرفهما لمراسيم وموافقة مجلس الوزراء، وهذا هو سبب التأخير وليس وزير المالية لان كل موضوع يحتاج الى جلسات حكومية للتوقيع على هكذا قرارات اخرها عدم تامين التغذية للجيش الى جانب عدم دفع مستحقات اخرى على غرار مستحقات المستشفيات والجمعيات الخيرية الانسانية والاعلام والصحف. فماذا يمكننا القول عندما يحرم العسكري من ابسط حقوقه وهي تأمين الطعام له رغم اقرار موازنة 2019؟ الا يحسب ذلك انتهاكا كبيرا من قبل الدولة لمؤسساتها وخاصة المؤسسة العسكرية التي قدمت التضحيات تلو التضحيات ليبقى لبنان؟ الا يعتبر ذلك استهتاراً بكرامة العسكر اللبناني واهانة للمؤسسة العسكرية علاوة الى ان الموازنة اقتطعت من راتب العسكري تحت راية «اصلاح الوضع الاقتصادي»؟

والجيش ليس الوحيد الذي وقع ضحية هذه الحكومة اللامبالية حيث ان المؤسسات الطبية والاعلامية والانسانية تعاني ايضا من استهتار في تلبية حاجاتها الاساسية والتي من واجب الدولة تأمينها. ولكن على ما يبدو ان المنافسة على التعيينات في المجلس الدستوري وتلفيزيون لبنان والتصارع على النفوذ بين الاحزاب على المناصب والصفقات واقتسام الحصص غلب على التسريع في توقيع قرارات اساسية وحيوية تدفع بعجلة الاقتصاد وليس العكس. ولكن لاننا ابتلينا بطبقة سياسية جشعة وتضع تعزيز نفوذها في قلب الدولة اولا ومن بعد ذلك الطوفان.... حصل ما حصل مع الجيش ولا يزال الوضع سيئاً بين الدولة والمستشفيات ووسائل الاعلام المرئي والمكتوب والمؤسسات الانسانية التي توفر ملجأ وبيتاً لليتامى وترعى عائلات فقيرة.

للاسف هذه هي الحقيقة المجردة. فبدلا من ان تنكب الحكومة على تكثيف جلساتها للبت بقرارات اساسية والتوقيع عليها لكي يباشر وزير المالية بدفع المستحقات للمؤسسات، اختارت هذه الحكومة الانكباب على توزيع الحصص والتعيينات الادارية والقضائية بين ابرز الاحزاب المسيطرة داخل الحكومة في ظل مجلس دستوري معطل.

اليوم، لم يتبق سوى ثلاثة اشهر لانتهاء 2019 ولا تزال موازنة 2019 غير منفذة على ارض الواقع وتحتاج الى جدولة مستحقات كثيرة ضمن جلسات حكومية والوزراء ورؤساء الاحزاب والقيمون على البلد لا يبالون بتداعيات هذا التأخير ولا بتشويه صورة لبنان اكثر مما فعلوه امام المجتمع الدولي. وعلى هذا الحال نتساءل كيف ستكون موازنة 2020 طالما ان الحكومة لا تتعامل بحسم وبعزم مع موازنة 2019؟

وعلى هذا الاساس، اي مستقبل واعد ينتظره لبنان طالما ان القيمين على البلد لا يبادرون فعليا الى معالجة الوضع الاقتصادي السيىء؟ واي غد ينتظر شبابنا اذا كل استحقاق رئيسي او ثانوي ياخذ ثمانية اشهر او احيانا اكثر؟ واي استثمارات ستاتي الى لبنان طالما يرى المستثمر الاجنبي والعربي واللبناني في الخارج الحالة الحكومية المتهالكة؟