الشراكة بين القطاعين العام والخاص رهينة إقرار آلية جديدة للمناقصات العمومية

بروفسور جاسم عجاقة

بعد إستقطاب لبنان لثلاث مليارات دولار أميركي خلال شهر آب المُنصرم، تُشير المعلومات عن قدوم وديعة جديدة إلى القطاع المصرفي اللبناني بقيمة مليار دولار أميركي بواسطة أحد المصارف اللبنانية. هذا الأمر الذي يؤكّد على ثقة المستثمرين بالقطاع المصرفي اللبناني وبالثبات النقدي القائم، سيؤدّي حتمًا إلى زيادة الثقة بملاءة الدوّلة اللبنانية ويزيد من الضغط على الحكومة للقيام بإجراءات إصلاحية طال إنتظارها.

الأسباب الرئيسية خلف هذه الودائع تعود إلى أن القطاع المصرفي اللبناني يتمتّع بقدرة جذب إسثمارية مع فوائد عالية وإلتزام كامل بالقوانين الدوّلية، ولكن أيضًا إلى أن شخص حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يحظى بثقة عالمية إن في الأسواق المالية أو لدى المُستثمرين أو حتى الدوّل الأجنبية والعربية. أيضًا يجب معرفة أن قدوم هذه الودائع هو أكبر دليل على ملاءة لبنان إذ لا يُعقل أن تُستثمر مليارات من الدولارات الأميركية في لبنان من دون إستشارة خبراء لمعرفة ملاءة لبنان قبل القيام بهكذا خطوة.

هذه المُعطيات تُعيد الثقة إلى المواطن اللبناني الذي بدأ اليأس يأكله نتيجة تقارير وكالات التصنيف الإئتماني وصندوق النقد الدوّلي ومراكز أبحاث المصارف العالمية والتي سلّطت الضوء على وضع المالية العامّة التعيسة نتيجة سنين من غياب السياسات المالية والإقتصادية الصائبة. في الواقع ينظر اللبناني إلى الوضع بالطريقة التالية: لبنان على باب الخروج من قطوع مالي كان ليُطيح به لولا العناية الإلهية وقدرة مصرف لبنان عبر إحتياطاته الأجنبية، لكن في نفس الوقت يعيش هذا اللبناني صدمة كبيرة لفظاعة الإجرام المُرتكب بحق المالية العامة والذي إستمر سنين طويلة أصبح بنتيجتها العلاج طويل الأمد أيضًا.

ما أشارت إليه المؤسسات المالية العالمية يُمكن تلخيصه على الشكل التالي:

أولا ـ هناك إفراط في الإنفاق ناتج عن هدر وفساد وضعف في الإيرادات أدّيا إلى تراكم العجز على مرّ السنين. وذكرت هذه التقارير عدد من النقاط الأكثر سلبية مثل قطاع الكهرباء، جباية الضرائب...

ثانيًا ـ هناك غياب كامل للسياسات الإقتصادية مما جعل الإقتصاد اللبناني يعتمد بشكل أساسي على الخدمات وعلى تحاويل المُغتربين (إقتصاد شبه ريعي) مع إفراط في الإستيراد أدّى إلى عجز في ميزان المدفوعات.

ثالثًا ـ هيكلية الإقتصاد وهيكلية النظام المالي جعلا مالية الدّولة تعتمد بشكل أساسي على تمويل القطاع المصرفي ومصرف لبنان خصوصًا بالعملة الأجنبية التي تُستخدم لشراء الفيول والمحروقات وسدّ إستحقاقات الدوّلة من الدين العام بالعملة الأجنبية.

حالة الطوارئ «الإقتصادية» التي أعلنتها الحكومة اللبنانية تعني أن إجتماعاتها مفتوحة وتهدف إلى أخذ القرارات التي تلجّم التردّي في المالية العامّة، الإقتصاد، البيئة والشق الإجتماعي (الترتيب بحسب الأولوية).

ما هو مطلوب على الصعيد المالي يُمكن إختصاره بتنفيذ دقيق لموازنة العام 2019 لكي يكون العجز المُحقّق في نهاية العام 7.59% كما أقرّه مجلس النواب. وعدم الإلتزام بهذا المستوى من العجز سيُترّجم بإرتفاع كبير لكلفة الدين العام وفقدان مصداقية الدوّلة اللبنانية تجاه المُجتمع الدوّلي وبالتالي إرتفاع الضرائب بشكل مُطرد في الأعوام القادمة.

أيضًا على الصعيد المالي، المطلوب من الحكومة إقرار مشروع موازنة العام 2020 مع خفض إضافي للعجز ليُصبح أقلّ من 7% للإلتزام بوعودها المُعطاة في مؤتمر سيدر. وعلى هذا الصعيد هناك شبه إلزامية لرفع الضرائب، زيادة تسعيرة الكهرباء (4 أضعاف!)، ورفع الدعم عن العديد من السلع والخدمات في هذه الموازنة كإجراء إلزامي لخفض الإنفاق إلا إذا تمّ معالجة ملفّ الكهرباء الذي يقضم من مالية الدوّلة أرقامًا خيالية كفيلة بخفض العجز إلى 4% من الناتج المحلّي الإجمالي! نعم الكهرباء تستنزف خزينة الدولة بملياري دولار أميركي سنويًا (2700 مليار ليرة لبنانية + الفوائد) وهذا الأمر تمّ تصنيفه من قبل البنك الدولي بإنتحار مالي عبر وصفه بـ «نزيف» المالية العامة.

أيضًا يُمكن ذكر التهرب الضريبي حيث يُتوقّع من الحكومة أخذ عدد من القرارات التي تذهب في هذا الإتجاه وحتى إقرار مواد في قانون الموازنة يكون بمثابة الإنذار الأخير لحثّ المتهرّبين على العودة إلى كنف القانون ودفع المُستحقات العائدة للخزينة العامّة. وعلى صعيد التهريب الجمركي عبر المعابر غير الشرعية، فإن الإجتماع الذي يضم كل من وزير الدفاع، وزيرة الداخلية ووزير المال في اليومين المُقبلين لمناقشة هذا الموضوع، قد يُترجّم ببعض القرارات في مجلس الوزراء (أقلّه هذا ما نأمله).

أمّا فيما يخصّ التهريب الجمّركي على المعابر الشرعية من المتوقّع أن يزداد خصوصًا بعد فرض رسم 3% والرسوم النوعية على السلع والخدمات المُستوردة (بإستثناء تلك التي لا تخضع للضريبة على القيمة المُضافة). وهذا الأمر بحاجة لإجراءات رقابية خاصة من قبل الحكومة.

بيئيًا، يبقى ملف النفايات الفضيحة الأكبر مع التلوّث الذي أصبح يطال الإنسان، الأرض، الجو والمياه. وإذا كانت خطّة وزارة البيئة تحوي على ضرائب بمئات الملايين من الدولارات لإنشاء وتأهيل 25 مطمرًا، إلا أن العبرة تبقى في التنفيذ وهو ما أثبت فشله في السنين السابقة.

إقتصاديًا الصعوبة الأساسية هو كيفية تضّمين موازنة العام 2020 خطّة إقتصادية مُتكاملة تسمح للبنان بتحويل إقتصاده من شبه-ريعي إلى مُنتج. فالوقت يُداهم الحكومة التي من المُتوقّع أن تجتمع بوتيرة مرتين أو أكثر أسبوعيًا للإنتهاء من مشروع الموازنة قبل المُهل الدستورية. وبالتالي الأرجح أن تكتفي الحكومة بتضمين هذه الموازنة بعض الإجراءات الإقتصادية المنصوص عليها في ورقة بعبدا المالية والإقتصادية. أمّا في ما يخصّ خطّة ماكينزي فلن يكون لدى الحكومة المُتسعّ من الوقت لنقاشها إلا أللهم إذا قامت بالإجتماع مرتين في اليوم.

إلا أن ما يُمكن للحكومة تضمينه في مشروع موازنة العام 2020 ويكون أمر أساسي في الخطّة الإقتصادية، هو تضمينها خطوات عملية لتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص. على هذا الصعيد، يظهر إلى العلن أهمّية إقرار قانون للمناقصات (أو المزايدات) العمومية الذي يُعتبر العنّصر الأساسي في عملية الشراكة بين القطاعين العام والخاص. أيضًا ولضمان نجاح هذه الخطوة، هناك حاجة لإقرار قانون يُعنى بإستقلالية القضاء من خلال تعيين القضاة في مناصبهم من قبل الجسم القضائي بالإضافة إلى تعيينه جهازه الإداري كما وإستقلاليته المالية. في الواقع هذين القانونين كفيلين بوضع الشراكة بين القطاعين العام والخاص على السكة الصحيحة.

من البديهي القول أن الضغطّ الدولي الذي مارسه المُجتمع الدوّلي على لبنان من خلال صندوق النقد الدولي، مؤتمر سيدر، ووكالات التصنيف الإئتماني قدّ أعطى مفعوله خصوصًا أن المسؤولين أصبحوا يعون مدى خطورة عدم الإلتزام بمتطلبات المُجتمع الدوّلي على صعيد الإصلاحات وبالتحديد المالية منها. هذه الأخيرة قدّ تجد عائقًا أمامها يتمثّل برفض شعبي للضرائب التي يعتبرها المواطن غير عادلة في ظّل عدمّ وجود إستراتيجية واضحة لمحاربة الفساد الذي يستفحل كل يوّم أكثر من الذي سبقه. لذا ستعمد بعض الأحزاب التي يرفض جمّهورها الضرائب إلى رفضها والقيام (ربّما) بإقتراحات تؤمّن مداخيل توازي مداخيل الضرائب.

على كلٍ المعادلة التي سيواجهها أصحاب القرار يُمكن تلخيصها بالقول أن عليهم أن يختاروا بين إثنين: الضرائب ورفض الشعب لها من جهة أو محاربة الهدر والفساد من جهة إخرى. وهنا يُطرح السؤال الأساسي: هل المجتمع الدوّلي يضع السلطات اللبنانية أمام مسؤولياتها عبر إلزامها الإختيار بين هذين الخيارين؟ من الواضح أن المجتمع الدوّلي يعرف جيدًا الواقع اللبناني وتفاصيله من خلال التقارير الدوّرية التي تصله من جهات عدّة وبالتالي قد يكون هذا الموقف مقصود وهدفه إيصال لبنان إلى برّ الأمان.