ما اكد عليه بعض المشاركين في اجتماع بعبدا الاقتصادي في الايام الماضية من خلال بعض المواقف او ما نقل عنهم، بدءا من رئىس الحزب التقدمي وليد جنبلاط الى رئىس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الى ممثل «اللقاء التشاوري» في الاجتماع النائب جهاد الصمد واخرين الى نواب ووزراء ينتمون الى الكتل السياسية التي شارك اقطابها في لقاء بعبدا الاقتصادي، لا يطمئن لا من قريب او من بعيد الا ان ما اتفق عليه الحاضرون في الاجتماع لن يغير كثيرا من «السرعة» الزائدة التي يسير بها لبنان نحو الانهيار الاقتصادي والمالي.

وجاء موقف النائب شامل روكز من موقعه السياسي العارف اكثر وضوحا بالتعبير عن عدم «ثقته بما يتم التعبير عنه من اطراف الحكومة لمعالجة الازمة حتى «انه قال «ان مجريات اجتماع الاقطاب في قصر بعبدا لا تشكل مخرجا من الازمة الاقتصادية ولم تكن مقنعة بل ان كل من شارك فيه حمل معه مواله الخاص».

واستكمالا لهذا الواقع الصعب وما يمكن ان يذهب اليه تدهور الحال المالية الاقتصادية جاء تقرير وكالة «ستاندرز اند بورز» للتصنيف الائتماني جرس انذار جديد، الى جانب التصنيفات السلبية التي صدرت مؤخرا عن عدد من المؤسسات الدولية الى جانب اعتراف كل المسؤولين المعنيين في الدولة التي تحذر من خطر انزلاق البلاد نحو الافلاس بينما الفعل الحقيقي المطلوب لتجنب هذا الخطر ما زال غائبا بحيث يلاحظ سياسي مخضرم ان كل الوقائع والتوجهات التي يتم التعبير عنها من اطراف الحكومة بالجملة والمفرق، بما في ذلك ما توصل اليه اللقاء «الحواري الاقتصادي» في بعبدا لا تزال تتعاطى مع عمق الازمة ومخاطرها بنوع من «المسكنات» الظرفية حتى ان هذا الرهان من جانب القيمين على القرار السياسي، لا يبدو انه قابل للتنفيذ بكل مندرجاته، ويعيد المذكور ذلك الى جملة وقائع اهمها الآتي:

- اولا: لم يظهر اجتماع الاقطاب في بعبدا، ولا على مستوى اداء الوزراء ان هناك جدية فعلية حتى في تطبيق «المسكنات» التي يراهن عليها اهل السلطة خلال الاشهر المقبلة لتلبية ما هو مطلوب من اصلاحات اشترطتها الدول والمؤسسات التي تعهدت في مؤتمر «سيدر» لتقديم قروض استثمارية للبنان، بل ان المسألة الاساسية التي تظهرت في اجتماع الاقطاب غياب الثقة بالكامل بين اكثرية الاطراف المشاركين اضافة الى فقدان الحد الادنى من التوافق حول بعض الاجراءات التي تجنب البلاد المزيد من الخضات السياسية والاقتصادية، فتوصيف النائب شامل روكز عن مجريات الاجتماع فإن «كل من شارك فيه حمل مواله الخاص» بتعبير حقيقي عن غياب الثقة بين الحضور وان معظم ما اتفق عليه سيبقى حبرا على ورق باستثناء النقاط التي تهدف الى تحميل المواطن مزيدا من الاعباء والضرائب.

فغياب الثقة بين اطراف الحكومة، بالتوازي مع تصاعد الخلافات على المصالح والمغانم من جهة، وطبيعة القرارات المطلوبة وآليات تطبيقها من جهة ثانية، كلها تعبّر عن تضارب عميق بين مكونات الحكومة وما حصل ويحصل حتى الان يظهر عقم الوعود التي لم يعد يثق بها المواطن، في حين ان الامر الوحيد الذي يأخذ طريقه للتطبيق قاعدته «مد اليد» الى جيوب المواطنين وفرض المزيد من الضرائب والرسوم، وبالتالي مزيد من الانكماش الاقتصادي ومزيد من البطالة والهجرة الخيالية للكفاءات من الشباب اللبناني.

ـ ثانياً: حتى لو كانت هناك غايات سياسية من وراء توقيت التقارير التي اصدرتها الوكالات والمؤسسات المالية الدولية عن المخاطر التي يواجهها لبنان مالياً واقتصادياً منذ ستة اشهر الى حدود نهاية العام المقبل، اذا لم يتم اتخاذ اجراءات جوهرية على المستويات المالية والاقتصادية والاصلاحية، فان توصيف هذه الوكالات والمؤسسات لواقع لبنان لا يختلف في معظم تصنيفاته المالية والاقتصادية عن حقيقة المخاطر التي بلغتها الازمة، ولو ان كثيراً من «وصفات» الحلول التي تقترحها هذه الوكالات والمؤسسات غايتها الخفية الدفع نحو ربط لبنان بصندوق النقد الدولي واستطراداً تفاقم للحال القائمة، من خلال الدعوة لفرض المزيد من الضرائب والرسوم وخصخصة المرافق المنتجة وترك مصير الليرة اللبنانية للسوق المالية، ما سيقود حكماً ليس فقط الى انهيار الليرة امام الدولار وباقي العملات الاجنبية، وانما الامر الاكثر خطورة في هذه الاقتراحات سيؤدي حكماً الى التراجع الضخم للقدرة الشرائية لدى المواطن، نتيجة الارتفاع الخيالي لاسعار كل السلع والمنتجات بالعملة الوطنية، وهو ما سيولّد انفجاراً اجتماعياً، ولذلك يرفض رئيس الحكومة ومعه كل المعنيين بالوضع النقدي والمالي أي توجه لترك السوق النقدي يحدد سعر العملة الوطنية، ما دام هناك امكانية لدى مصرف لبنان للتدخل ومنع المضاربات في السوق المالية، وصولاً الى انهيار الليرة اللبنانية.

لكن القدرة على إبقاء سعر الليرة على ما هو عليه اليوم، لا يمكن ان يستمر لفترة طويلة، اذا لم تلجأ الحكومة ومعها المكونات السياسية المشاركة فيها ـ وفق تأكيد السياسي المخضرم ـ الى اعتماد خطة متكاملة تعيد النظر من خلالها بالسياسات القائمة بنوياً على المستويات المالية والاقتصادية والاصلاحية بعيداً عن «المسكنات» الظرفية او فرض الضرائب والرسوم على الفقراء واصحاب الدخل المحدود، وانما من خلال اعتماد سياسة شفافة منطلقها وخطواتها الاولى بإسقاط «محميات» الفساد والهدر التي يعرفها المسؤولون قبل غيرهم، انطلاقاً من العناوين التي تضمنها بيان المطارنة الاخير، وهي «تجنب فرض ضرائب جديدة على اصحاب الدخل المحدود في مقابل ايقاف مزاريب الهدر والتهريب في المرافق العامة» وغير ذلك ستبقى حال الطوارىء الاقتصادية وكل الحلول المجتزأة تكراراً للعجز المستمر عن معالجة الازمة المتفاقمة ودفعاً بالبلاد نحو المجهول.

وحتى الذهاب نحو ترجمة بعض المسكنات ما زال يسير مثل «السلحفاة» في وقت هناك حاجة وطنية ملحة للاسراع بكل ما امكن لتنفيذ بنود الازمة التي اقرها اجتماع بعبدا الحواري واقتراحات اخرى بهذا الخصوص، بينما لم يلمس المواطن حراكاً مكثفاً ودائماً من جانب الحكومة، عنوانه عقد جلسات مكثفة لمجلس الوزراء، اما اذا بقي التعاطي يقوم على «التناتش» وفقدان الثقة بين اكثرية الاطراف المشاركة في الحكومة وكل فريق له «مسؤوله الخاص» في اعتماد الاصلاح في الملفات المقترحة، عندئذ ستبقى الامور تدور في الحلقة المفرغة على غرارما حصل مع اداء الحكومات السابقة.