بعيداً من قرف السياسة في لبنان...

وبعيداً من التحالفات البهلوانية التي تحصل على القطعة، وتبيت على شيء، وتنهض على شيء آخر.

وبعيداً من الحكومة الغارقة في نفاياتها وفسادها وهدرها المال والوقت.

وبعيداً من ايقاظ المواطن على وجعه وما يواجه في ايامه البائسة.

وتعقيباً على مواقف أعلنت حول دور الامبراطورية العثمانية في لبنان، والردود الملتهبة عليها من مكوّن عزيز من مكوّنات لبنان الطائفية، رأيت ان ادلي بدلوي حول هذا الموضوع، الذي لا يمكن أن يستقيم، لا بالتعصّب، ولا بنداء «يا غيرة الدين» بل بالعودة الى التاريخ المكتوب والوقائع التي سردها المؤرخون، وسوف أمرّ على التاريخ القديم مروراً سريعاً، لأعطي فكرة عمّا ارتكبه سلاطين بني عثمان من جرائم ومذابح بحق بعضهم البعض وبحق شعبهم، وبحق الاقليات من ارمن وشركس وسريان واشوريين وكلدان واكراد، ومواقفهم الملتبسة في احداث عامي 1842 او1860، واكتفي بذلك.

****

كان لبنان ايام «حكم المارونية السياسية» يحتفل سنوياً بمناسبتين، الاولى «عيد الشجرة» نعم كان للشجرة عيد في لبنان، يقام في ساحة البرج، وتحضره الدولة وتلاميذ المدارس، كان للشجرة قيمة وعناية وعيد، وكان لها نواطير، وطار العيد وطارت الشجرة، وحلّ محلهما مجرمو البيئة وقطع الاشجار.

المناسبة الثانية المهمة، كانت ذكرى تكريم شهداء لبنان الذين علّقهم الاحتلال التركي على اعواد المشانق في ساحة الشهداء التي حملت اسمهم، في السادس من شهر ايار في كل سنة.

هولاء الشهداء لم يكونوا مسيحيين فحسب، ولم يكونوا مسلمين فحسب، بل كانوا مسيحيين ومسلمين، استشهدوا دفاعاً عن سيادة لبنان واستقلاله وكرامته وعروبته، ضد الظلم والتتريك، وكان لهؤلاء الشهداء الابطال لجنة يرأسها مسلمون، آخرهم قبل ان تلغي الحكومة هذه المناسبة المشرّفة المحامي محمد علي الرز، وكان في مقدم من يحضر الاحتفال رئىس حزب النجادة عدنان الحكيم، ورئىس حزب الكتائب بيار الجميّل، مثلما كانا في طليعة المتظاهرين ضد الانتداب الفرنسي.

وإن ننسى لا ننسى، ان جمال باشا، الحاكم العسكري التركي الملقب بالسفاح، اغلق البحر في وجه المساعدات الغربية والعربية في عزّ موجة الجراد التي اجتاحت جبل لبنان وبعض المناطق الاخرى، حيث مات ثلث عدد سكان جبل لبنان من الجوع، وينقل عن جدودنا وجدّاتنا، انه قيل لجمال السفّاح ان اللبنانيين يموتون من الجوع، فردّ عليهم عندما تأكل المرأة ولدها، عندها يكون جوع».

للذين يقولون ان تركيا بنت الكثير من السرايات والجسور، نقول ان الانتداب الفرنسي بنى وشرّع ووضع القوانين، وانشأ الجيش والقوى الامنية لكن اللبنانيين ثاروا عليه انتصارا لسيادتهم وكرامتهم لذلك من المعيب ان ندافع عن الغريب في وجه ابناء وطنهم، وعلى جميع اللبنانيين ان يرفعوا الصوت لتعيد الدولة الاحتفال بذكرى شهداء لبنان وشهداء الصحافة اللبنانية، في وسط بيروت امام تمثال الشهداء، وان تخصص للشجرة التي امتاز بها لبنان عيدا لتكريمها وحمايتها.