يشكل إطلاق منبر صلة وصل من قبل وزارة التنمية الإدارية في سوريا، كأول تطبيقات مشروع الإصلاح الإداري، نقلة نوعية في مقاربة الإدارة العامة، وإعلان تحول استراتيجي من منطق الحرب والمواجهة، الذي كان يركز على بقاء مؤسسات الدولة بأي طريقة ممكنة خلال الحرب الكبرى التي شنتها معظم دول الغرب وحلفائها في المنطقة بهدف اسقاط الدولة السورية ومؤسساتها، واستبدالها بحكومة معارضة تبني مؤسسات بديلة تقدم الخدمات العامة للمواطن السوري.

وقد فشلت هذه الحرب بشكل كبير، ليس فقط عسكرياً، حيث استعاد الجيش السوري بدعم من حلفائه، وبخاصة الروس والإيرانيون وعدد من القوى العسكرية، السيطرة على معظم الأراضي السورية، ما عدا ادلب وريف حلب والمنطقة الشرقية، بل أيضاً، وهذا الأهم، فشلت في استبدال مؤسسات الدولة التي تقدم كافة الخدمات المدنية للمواطن السوري، في كافة المجالات. فبقيت معظم هذه الخدمات توفرها وزارات الحكومة الشامية، حتى في المناطق التي سيطر عليها المسلحون، مباشرة أو من خلال المؤسسات العامة الفرعية التابعة لهذه الوزارات.

وفي التوقيت المناسب، بعد استعادة حلب وريف حمص ودير الزور والبادية، وبعدها الغوطة وريف دمشق والمنطقة الجنوبية، وعودة الدولة بكامل مؤسساتها للعمل في هذه المناطق، التي يسكن فيها معظم الشعب السوري، كان لا بد من الانتقال من ذهنية الحرب والميليشيات وصراع البقاء، الى ذهنية إعادة القانون وتنظيم تقديم الخدمات العامة وانتظام عمل الدولة وعصرنته، وتنقيته من شوائب الحرب وممارسات الميليشيات حيث لا صوت يعلو على صوت المعركة، وترسيخ الحياة المدنية، وإعادة الاستقرار الى حياة المواطنين ومكافحة الفساد وتطوير أداء مؤسسات الدولة من خلال إشراك المواطنين في تقييمها وعصرنة آلياتها وتبسيط إجراءاتها واستخدام التكنولوجيا الحديثة لتفعيل اداراتها بما يعيد سوريا الى مواكبة التطور العالمي في هذا المجال.

وعندما أطلق الرئيس بشار الأسد مشروع الإصلاح الإداري في أواخر 2017، ظن الكثيرون أن كلامه هو للتمويه وأنه ليس جاداً بالطبع. إذ فيما لا تزال وسائل الاعلام الغربية والعربية المعادية تروج لسقوط الدولة السورية ومؤسساتها والسيطرة على مقدراتها من قبل الحلفاء والميليشيات، وتبشر بسقوط النظام واستحالة عودة سورية كدولة منظمة تسيطر على مواردها وتنظم اداراتها وتقضي على الفساد وتعيد ترسيخ العلاقة مع المواطن واستعادة ثقته، ومواكبة العصر، كان الرئيس الأسد يعلن في 20/6/2017 خلال كلمة توجيهية للحكومة السورية، عن إطلاق المشروع الوطني للإصلاح الإداري، وتكليف وزارة التنمية متابعة تنفيذه، بدءاً من إشراك المواطنين في هذه العملية، حيث قال: «ان المشروع يعتمد على عدة محاور أولها خلق منهجية واحدة ومتجانسة لكل الوزارات عبر مركز يسمى مركز القياس والدعم الإداري يقوم بوضع الهيكليات والتوصيف الوظيفي وإيجاد آليات لقياس الأداء والأنظمة الداخلية للمؤسسات وقياس الإجراءات بين المواطن والمؤسسات أو داخل المؤسسات أو فيما بينها وقياس رضا المواطن والموظف ومكافحة الفساد».

وأضاف «أن المشروع الوطني للإصلاح الإداري يشمل أيضاً تأسيس موقع الكتروني بهدف التواصل مع المواطنين وتلقي مقترحاتهم وشكاواهم أو تقييمهم لمؤسسة ما لتكون العملية بذلك أكثر شمولية ويشارك فيها الجميع عوضاً من أن تكون مرتبطة فقط بالوزارات أو بمؤسساتها».

وفي نهاية حديثه تطرق الرئيس الأسد إلى «بعض المظاهر المسيئة التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة والتي تسيء بشكل مباشر لحقوق المواطن ولا تليق بالوطن منها مظاهر المواكب الضخمة لبعض المسؤولين أو غيرهم وقطع الطرق موضحا أن هذا الكلام غير مقبول ووجه الوزارات المعنية باتخاذ الإجراءات الرادعة والضرورية لوقف هذه المظاهر».

منذ ذلك الوقت، تم حل معظم الميليشيات التي قاتلت الى جانب الجيش السوري، وتمت مكافحة معظم هذه المظاهر واستعادة الاستقرار والحياة المدنية للمواطنين في معظم المناطق التي تسيطر عليها الدولة، برغم الحصار الاقتصادي الخانق وما سببه من أزمات ومشاكل.

بالتوازي، قامت الوزارة على مدى سنتين بالعمل الهادئ والدؤوب مع نخبة من الخبراء على تنفيذ اساسات المشروع، باعتماد منهجية علمية متقدمة وتقنيات متطورة وحديثة، حيث تم إطلاق «منبر صلة وصل»، كأولى الأدوات التنفيذية المشروع الوطني للإصلاح الإداري، خلال معرض دمشق الدولي، حيث كان جناح وزارة التنمية الإدارية مقصداً لآلاف المواطنين، الذين اطلعوا بفرح على هذا الإنجاز، وشاركوا في إعطاء آرائهم وتقييماتهم للعديد من الخدمات العامة التي تقدمها الوزارات التي بدأ المنبر بتقييمها والعمل معها. وكان ذلك مشجعاً للعديد من الوزارات الأخرى لتسجيل رغبتها بالانضمام الى هذا المشروع الوطني الرائد.

منبر صلة وصل

فما هو منبر صلة وصل، وماذا يتضمن؟

هو منصة إلكترونية تمكّن المواطن من المشاركة في تقييم المؤسسات وجودة خدماتها ومدى استجابتها للشكاوى المقدمة من قبل المواطنين ضمن الفترات المحددة للاستجابة، وذلك كله ضمن بيئة إلكترونية تؤمن السرية والشفافية وحماية الخصوصية بالإضافة إلى سهولة الاستخدام.

وقد تم إطلاق منصة «منبر صلة وصل» بشكل رسمي بتاريخ 28/8/2019، حيث أتيحت خدمات المنبر للمواطنين لتقييم خدمات وزارتي الإدارة المحلية والبيئة والأشغال العامة والإسكان، فقام الموظفون في جناح وزارة التنمية الإدارية في معرض دمشق الدولي بإطلاق هاشتاغ (ساهم -في-صنع-الفرق) تشجيعاً لمشاركة المواطنين، ومساهمتهم الفعالة في عملية صناعة الفرق الذي يريدون أن يروه في جهاتهم العامة. وقد ضم جناح الوزارة العديد من الأجهزة التي تتيح للمواطنين القيام بذلك بشكل الكتروني مباشر.

ويتيح المنبر للمواطن التعبير عن مدى رضاه عن الخدمات والإجراءات الخاصة بالخدمات التي تقدمها الجهات العامة، ويعطيه الحق في المشاركة بكشف الخلل ومكافحة الفساد ضمن الجهات العامة وتقديم المقترحات التي يراها مناسبة لتحسين جودة الخدمات المقدمة، وذلك من خلال تطبيقات رئيسية يشارك المواطن من خلالها، وخدمة خامسة يشارك فيها الموظفون في الجهات العامة. ويمكن وصول المواطن الى هذه التطبيقات عبر أي جهاز حاسوب أو هاتف محمول، من خلال موقع الكتروني للمنبر، وتطبيقات خاصة بكل الأجهزة الذكية. وما يلي توصيف مختصر لكل من هذه الخدمات:

سوا... لمكافحة الفساد

يتيح هذا التطبيق للمواطن الإشارة إلى أي حالة فساد أو خلل إداري ضمن الجهات العامة، وعليه يتم نقل هذه الشكوى إلى الجهة المعنية والمسؤولة لمعالجتها خلال زمن محدد، وتحتسب للجهات نقاط حسب المدة التي تستغرقها في معالجة الشكوى، بعد التأكد من موضوعيتها وبعدها عن التشفي أو التجني.

معاً لثبوتيات أقل

يتيح هذا التطبيق للمواطن أن يساهم في تحديد الثبوتيات التي تطلب منه بشكل دائم ومتكرر في أغلب المعاملات الحكومية، للتخفيف من حركة دوران الثبوتيات بهدف تحسين الخدمات لتصبح أقل تكلفة وبأقل وقت وبأفضل جودة.

رضا المواطن

يتيح للمواطن التعبير عن مدى رضاه عن الخدمات المقدمة من قبل الجهات العامة وتقديم مقترحات من شأنها أن تساهم في تحسين وتطوير تقديم هذه الخدمات وإجراءات الحصول عليها.

معاً... لتبسيط الإجراءات

يهدف التطبيق إلى تمكين المواطن من المساهمة في تحديد الخدمات الأكثر تعقيداً وغموضاً للمواطنين، وتحديد الأسباب للعمل على تبسيطها وتحسين الحصول عليها من قبل المواطن. ويتضمن عدداً من الأسئلة تغطي مختلف جوانب الخدمة من حيث وجود أكثر من جهة تقدم الخدمة نفسها، وتباعد الأماكن التي يجب مراجعتها للحصول على الخدمة، وعدد مرات المراجعة، وتعامل الموظفين، وأتمتة الخدمة، ليتولى بعدها فريق تبسيط الإجراءات في الإدارة المركزية لوزارة التنمية الإدارية بالتعاون مع الجهة المعنية تبسيط هذه الخدمة.

رضا الموظف

يهدف إلى تحديد مستوى رضا العاملين في الجهات العامة، كأحد مؤشرات قياس الأداء الإداري للجهة العامة التي يعمل فيها الموظف، بما يسهم في اتخاذ الإجراءات التصحيحية لرفع كفاءة الموظف وتحسين بيئة العمل.

ويمكن للمواطن متابعة الشكاوى والمقترحات التي قدمها، بشكل الكتروني مباشر، وتقييم الحلول التي تم تطبيقها. وتعمل وزارة التنمية الإدارية في الخطوط الخلفية لباقي الجهات العامة، من خلال عملها على إعادة الهيكلة وعملية التطوير المؤسساتي ومساعدة هذه المؤسسات على مكافحة الفساد، حيث تشكل جهة عابرة للجهات العامة الأخرى المركزية منها والفرعية، عن طريق مديريات التنمية الإدارية التي أحدثت في كافة الجهات بما يناسب عمل الجهة وحاجتها.

ولا شك أن هذه الخطوة هي الأولى على طريق الألف ميل لإعادة بناء الدولة وعصرنة مؤسساتها وتطوير أدائها، ومكافحة الفساد بأشكاله المتعددة. لكن العمل عليها في السنتين المنصرمتين، تحت ضغط الحرب المستمرة والحصار الاقتصادي الخانق والتشويه الإعلامي المستمر لما يجري في سورية والحياة فيها ولصورة الدولة والمتاجرة بمسائل إعادة الإعمار وإعادة النازحين واللاجئين، هو بحد ذاته رد على كل هذه التحديات، ووجه آخر للنصر على محاولات تفتيت الدولة وتدميرها وضرب ثقة المواطن بها وبأي إمكانية للنهوض في المستقبل. وهي خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح، الذي تسير اليه سورية بخطى ثابتة، تواكب انتصاراتها العسكرية ومواجهة الاحتلالات والتدخلات الخارجية.