عندما قرأت في الصحف البريطانية ان شقيق رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون استقال من حكومة المحافظين مغلبا الولاء للوطن على الولاء العائلي، رحت اتساءل كم يلزمنا من امثال شقيق رئيس الوزراء البريطاني في لبنان وتساءلت ايضا اذا كان بالامكان ايجاد شخصية لبنانية على غرار شقيق بوريس جونسون لا تغره الكراسي ولا ينجرف بالعاطفة بل يضع مصلحة بلاده فوق كل اعتبار. لبضع لحظات سمحت لنفسي ان اتخيل وجود سياسي لبناني يترفع عن الجشع وحب السلطة والزبائنية والرشى و... الا انني سرعان ما عدت الى الواقع اللبناني والى اخلاقيات السياسيين اللبنانيين والمبادئ التي يرتكزون عليها في السياسة وفي الوصول الى السلطة وكيف انهم يعتمدون الانتهازية والوصولية والكذب والخطابات الشعبوية لتحقيق اهدافهم. صرت اضحك في نفسي ان سياسيي لبنان يغلبون الولاء الطائفي والمذهبي والعائلي على الولاء الوطني وعلى الارجح يعتبرون ما قام به شقيق رئيس الوزراء البريطاني امراً سخيفاً ناتجاً من برودة في الروابط العائلية ومن عقل متصلب غير مرن خلافا لعقولهم «المرنة».

والغريب في الامر ان معظم السياسيين والمواطنين اللبنانيين يتساءلون لماذا تتطور المجتمعات الاخرى منها المجتمع الاوروبي ويبقى لبنان في مكانه لا بل عاما بعد عام يتراجع الى الوراء وكذلك الاخلاقيات والقيم تتضاءل في المقاربة السياسية للامور المصيرية والثانوية في هذه البلاد؟

وايضا، يكفر المواطن اللبناني بهذه الطبقة السياسية المتحكمة بلعبة السلطة ويوجه لها انتقادات لاذعة لطريقة ادارتها للبلاد ويتهمها بالفساد والهدر المالي الا ان كلامه الناقد والغاضب للطبقة الحاكمة يظل كلاما بكلام دون اي محاسبة لهؤلاء السياسيين في صناديق الاقتراع ولا حتى في انسحاب عدد من المنتسبين للاحزاب الممثلة في المجلس النيابي وفي الحكومة.

وهذا الامر ان دل على شيء فهو ان الناس لا تسمح بظهور شخصيات جديدة وهي تمنع خلق سياسيين امثال شقيق رئيس الوزراء البريطاني لانها بأدائها وتفاعلها في الحياة السياسية تكشف انها خائفة من اي تغيير وقد استسلمت للواقع الذي فرضته الطبقة السياسية الحاكمة وللمسار الذي رسمته لها الاحزاب. والحال انه ما قبل الحرب الاهلية ومرحلة ما بعد الحرب الاهلية نجد ان الوجوه هي نفسها وهذا لا يدل على ثبات سياسي بل يشير الى ان لا تطور في الحياة السياسية اللبنانية عند كل الطوائف. وعلى هذا المنوال، لم يعد باستطاعتنا القاء الللوم على السياسيين بل على الناس التي لا تريد التغيير ولا التطور مغلبة مصلحة الاحزاب على المصلحة الوطنية.

ولكن ما الذي يستدعي الناس ان تخاف التغيير؟ وهل بقي شيء من هذه الدولة ومن مؤسساتها ولم يفرط به بعد كي يخاف اللبنانيون من مرحلة جديدة تتضمن وجوهاً جديدة وطنية شريفة؟ هل حلت مسألة الكهرباء العقدة المزمنة والتي لم يقدم اي طرح جدي الى يومنا هذا لمعالجة هذه المشكلة؟ هل انخفضت اسعار الاتصالات والتهاتف في لبنان الذي يعد من اغلى دول المنطقة في مجال قطاع الاتصالات؟ هل حلت ازمة النفايات ام ان السياسيين تركوا ملف النفايات يتحول الى ازمة فجرت كارثة صحية وبيئية؟ هل القضاء بخير في لبنان ولا يتعرض الى تدخلات جهات سياسية فيه؟ هل العدالة الاجتماعية محققة في لبنان وهل الحكومة تلحظ اي مشروع لتقليص الفرق بين الطبقات الاجتماعية في المجتمع اللبناني؟ هل الطبقة الوسطى موجودة والفقراء يستحصلون من الدولة على الاحتياجات الاساسية؟ هل وضعت الحكومة مشروعاً يأتي بالفائدة على المواطنين وليس فقط على اصحاب الاموال الكبيرة؟ هل الاقساط المدرسية والجامعية عادلة وتتناسب مع رواتب معظم اللبنانيين؟ هل توفر الدولة ضمان الشيخوخة او تحرص على خفض البطالة لوقف هجرة الشباب اللبناني الى الخارج؟

للاسف كل الذي ذكرناه ليس محققاً في لبنان لا من قبل هذه الحكومة ولا من سابقاتها، اذا لماذا يخاف المواطن اللبناني ويختار الصمت على كل الارتكابات التي تحصل ضده ؟ الخوف عند المواطن اللبناني ليس مبرراً في هذا المجال فلم يبق شيىء كي يخاف ان يخسره. فمتى يغير المواطن اللبناني خياراته السياسية وطريقة مقاربته للزعماء وللاحزاب ويسمح لشخصيات جديدة شريفة ان تظهر على الساحة اللبنانية؟

هذا الصمت الخاطئ للمواطن اللبناني امام مخالفات السياسيين في البلد وتغليبهم مصلحة احزابهم على مصلحة الوطن لن ينتج سياسيين شرفاء ووطنيين طالما استمر المواطن في هذا النهج لان التغيير والثورات اتت دائماً من الشعوب وليس ابداً من الحكام.