اذا سألنا بيار دوكين... لماذا لا تعلقون المشانق؟ من يعلق المشانق لمن؟

كما لو أننا لا نحتاج الى حاكم على شاكلة الحجاج بن يوسف الثقفي (وقد أينعت رؤوسنا...). بعد مائة عام من اعلان الجنرال الفرنسي هنري غورو قيام «دولة لبنان الكبير»، ينزع الديبلوماسي الفرنسي بيار دوكين ورقة التوت عن وجوهنا. كلنا تواطأنا، الملوك والرعايا، على تحويل الدولة الى حطام.

اذ استغرب حجم الحكومة (30 وزيراً مقابل 22 في فرنسا)، فوجئ بأن ما من مسؤول، مهما علا شأنه، يعلم الى أين تتدحرج الجمهورية. كل شيء متروك للقضاء والقدر. لا أدمغة تتولى ادارة الأزمة، بل كونسورتيوم من شيوخ القبائل كان يفترض أن يحزموا حقائبهم ويغادروا، على الأقل، الى المريخ.

لماذا لا تقال الحقيقة، كل الحقيقة، للناس؟ هل يكفي القول اننا في عين الاعصار (لعلها عين الشيطان)؟ لا احد يكترث بما ينتظرنا. أين المشكلة في أن نسأل (نحن جماعة هالكم أرزة العاجقين الكون) لماذا يلاحق رئيس الدولة أو رئيس الحكومة في اسرائيل اذا ما حصل على هدية بحفنة من الدولارات، ويبقى اللصوص عندنا على عروشهم حتى لو أكلوا لحومنا، وهم أكلة لحوم البشر على كل حال؟

كل تلك الكارثة ولا أحد وراء القضبان. لا مجال لمهاتير محمد في دولة كان يفترض أن تكون لؤلؤة الشرق لا مهرجاناً للقمامة وأهل القمامة.

الغريب أن يختزل الحل السحري بزيادة تعرفة الكهرباء. اسألوا الخبراء الدوليين عن نظرتهم الى ملف الكهرباء في لبنان. كل تلك المليارات ذهبت الى مصاصي الدماء. أي كهرباء لتكون هناك تعرفة للكهرباء؟

بلاء لبنان ليس في الطبقة السياسية فحسب. البلاء العظيم في الطبقات الشعبية. الأحرى الطبقات القبلية. لاحظوا تفاهتنا حين نبادر الى الاصطفاف حول أولياء أمرنا حين ينفخون في الأبواق. أدونيس رأى في غيبوبتنا اغتيال ما تبقى من الانسان فينا.

طروحات الديبلوماسي المكلف متابعة موضوع «سيدر» لا يمكن أن تكون الحل. ليس لكونها الصخرة التي تنهال على رؤوسنا، ولا لأن المالية العامة بحاجة الى اعادة هيكلة. هيكلة جراحية لا هيكلة فولكلورية، وانما لأن الطبقة السياسية استنفدت كل مآثرها.

كل الرؤوس ارتطمت بالحائط، وكل ما يحكى الآن كلام ببغائي الغاية منه غسل اليدين لا اجتراح الحلول التي ينبغي أن تبدأ باجراء تغيير دراماتيكي في الطاقم السياسي (الطاقم العثماني).

هذا من جهة. من جهة أخرى، لأن الناس نيام، وكان يرى فيهم جمال باشا، وهو يعلق المشانق، عيدان الثقاب. أجل... عيدان الثقاب!

لكأن بيار دوكين مبعوث هنري غورو لا مبعوث ايمانويل ماكرون. جاء ليعلن وفاة «دولة لبنان الكبير». حتى الذين اخترعوا الدولة يبدون عاجزين عن تصور البديل. كل ما يقولونه... ابقوا في الغيبوبة الى أن يتوقف دومينو الحرائق في المنطقة. لن يتوقف...

ثمة ضرورة لاستعادة قول هنري كيسنجر «أزمة (أو أزمات) الشرق الأوسط ولدت مع الله وتموت مع الله». في هذه المنطقة، لكي نبقى الدمى، ليس فقط تأجيج الغيب... تأجيج العدم!!