يتوقّع وفق أكثر من جهة سياسية، أن يعود التصعيد السياسي إلى الواجهة مجدّداً رغم الأجواء الإيجابية التي أضفتها لقاءات بعبدا وبيت الدين بعد لقاء المصارحة والمصالحة في القصر الجمهوري، ومن ثم اللقاءات المكثفة مع القوى السياسية والحزبية والفاعليات في الجبل، إلا أن الإنقسامات والخلافات عادت لتظهر من جديد على غير صعيد ومستوى، وما حادثة الشويفات أمس الأول إلا الدليل على أن المصالحة الدرزية ـ الدرزية بين المختارة وخلدة لا زالت صعبة المنال، وكل ما في الأمر أن عملية تبريد للأجواء قد حصلت، والدلالة المواقف الأخيرة التي أطلقها النائب طلال إرسلان على خلفية أحداث الجبل في الثمانينات، مما يبقي لقاء بعبدا هشّاً أمام عودة الإعتداءات الأمنية والتذكير بمراحل الحرب، وصولاً إلى الخلاف المرتقب إن على الصعيد الدرزي ـ الدرزي، أو على الصعيد المسيحي ـ المسيحي، حول التعيينات الإدارية والقضائية والأمنية، ما ظهر بوضوح بعد استبعاد مرشّح «القوات» الدكتور سعيد مالك من المجلس الدستوري.

وفي هذا السياق، ترى المصادر أن مردّ هذه المؤشّرات التصعيدية إلى جملة اعتبارات وتقاطع معلومات حول ما يجري على الصعيدين الإقليمي والدولي، ربطاً بتحوّلات متوقّعة في المنطقة على ضوء التوافق الروسي ـ التركي لتحييد إدلب عن معركة عسكرية، إلى التحالف الروسي ـ الإسرائيلي، وصولاً إلى الإعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على الضاحية الجنوبية وردّ المقاومة في الجنوب، بحيث تداعيات العمليات العسكرية التي حصلت الأحد المنصرم تتابع فصولها، مما يعني أن اللعبة لا زالت مفتوحة على كل الإحتمالات، إن داخلياً عبر الإنقسامات والخلافات السابقة والمتجدّدة، إضافة إلى ما يحدث في المنطقة، ولذلك انعاكسات سلبية على مجمل الأوضاع في البلد، وترى المصادر أن ما زاد الطين بلّة ورفع منسوب القلق، فذلك يتمثّل بالشأن الإقتصادي المزري والعقوبات الدوليـة ولا سيما الأميركية على لبنان وما طاول أحد المصارف، في حين ثمة من يشير وفق معلومات بالغة الدقة بأن مسلسل هذه العقوبات مستمر، مما يزيد حجم المخاوف على الصعد الإقتصادية والمالية والمعيشية، مشيرة إلى أمر آخر، وقد يكون الأبرز والأهم في هذه الظروف الإستثنائية الإقتصادية الصعبة التي سيجتازها لبنان، وذلك يندرج في سياق ضبابية زيارة مستشار منسّق مؤتمر «سيدر» بيار دوكان، الذي، ومن خلال القراءة لمواقفه بعد اجتماعه ولقاءاته بمعظم القيادات والتيارات السياسية اللبنانية، يستشفّ بأن أموال «سيدر» لا زالت مرهونة لدى المجتمع الدولي لصالح لبنان ومرتبطة بالعملية الإصلاحية والإقتصادية، بحيث أطلق دوكان سلسلة إشارات لا تعبّر عن ارتياحه للجولات التي قام بها أو أنه لمس تقدّماً في عمل الحكومة على المسار الإصلاحي عن زيارته الأولى، لا بل ثمة من يشير إلى أنه يرى أن الوضع يزداد تدهوراً، وليس هناك ما يشي بأن الأمور ستتغيّر، باعتبار أن المجتمع الدولي لا يضع شروطه حول الإصلاحات الإقتصادية والبنيوية، بل هناك شروط اخرى تصب في الخانة السيادية، وهذا مؤشّر خطير جداً، بمعنى أن دوكان سأل عن الإستراتيجية الدفاعية وموقف الحكومة اللبنانية الذي يغرّد خارج سرب ملفات كثيرة، وفي طليعتها هذه الإستراتيجية، مما يعني أن هذه المسألة لها مقاربتها بشكل يحيّد لبنان عن صراع المنطقة، وضرورة تفهّم المجتمع الدولي لخصوصية لبنان، لأن الربط بين أموال «سيدر» والعملية الإصلاحية والإقتصادية امر طبيعي من الدول المانحة، ولكن اقتران ذلك بالشؤون السياسية والسيادية فذلك بمثابة مطالب تعجيزية وضغوطات على لبنان لهذه الأهداف.