خلال زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري الأخيرة إلى واشنطن الشهر الماضي، إتفق مع وزير الخارجيّة الأميركي مايك بومبيو على إعادة تحريك ملفّ ترسيم الحُدود البريّة والبحريّة بين لبنان وإسرائيل، إعتبارًا من مطلع أيلول الحالي. فما هي المعلومات المُتوفّرة في هذا السياق؟

بداية لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ الإدارة الأميركيّة إستبدلت أخيرًا مبعوثها الخاص المُكلّف هذا الملفّ، حيث إنتقل من يد مُساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى دايفيد ساتفرفيلد الذي عُيّن سفيرًا جديدًا لبلاده لدى تركيا، إلى يد الوسيط الجديد دايفيد شنكر الذي يُعتبر من المسؤولين المُتشدّدين الذين يُساندون الكيان الإسرائيلي ضُمن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأمر الذي يطرح علامات إستفهام كُبرى بشأن حياديّته ونزاهته في موضوع بالغ الحساسيّة بالنسبة إلى لبنان!

وبحسب مصدر دبلوماسي مُتابع لملفّ ترسيم الحُدود، إنّ الأيّام القليلة المُقبلة ستشهد تحرّكات جديدة على خطّ الملف المّذكور، حيث يُنتظر أن يُجري الوسيط الأميركي الجديد شينكر سلسلة من المُحادثات مع كبار المسؤولين «الإسرائيليّين» إعتبارًا من نهاية الأسبوع الحالي، ثم مع كبار المسؤولين اللبنانيّين، وخاصة مع الرؤساء الثلاثة، مُنتصف الأسبوع المقبل، ومن بينهم لقاء مُهمّ مُرتقب في الثاني عشر من الشهر الحالي مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي الذي يتولّى التفاوض بإسم لبنان في الملف الحُدودي. وكشف المصدر أنّ العدو الإسرائيلي لا يزال يرفض وضع نصّ مكتوب لما سيتمّ التوافق عليه تباعًا من نقاط، في مُحاولة جديدة منه للتهرّب من إلتزاماته، بينما يُصرّ الجانب اللبناني على تسجيل كل نقطة يتمّ إنجازها بشكل رسمي، لمنع «إسرائيل» من إعادة المفاوضات إلى الوراء في كل مرّة تحصل فيها عمليّة شدّ حبال على نقطة مُعيّنة. وأوضح المصدر أنّ التراجع «الإسرائيلي» عن بعض الإلتزامات الشفهيّة السابقة، خلال مرحلة إدارة ساترفيلد للمُحادثات، هو وراء التناقض في تصريحات بعض المسؤولين اللبنانيّين، والتي تحدّثت تارة عن تقدّم كبير على خط ترسيم الحُدود، وتارة أخرى عن دوران في الحلقة المُفرغة!

ولفت المصدر الدبلوماسي إلى أنّ العدو الإسرائيلي مُصرّ على رفض تزامن الترسيم البحري والبرّي، حيث يُعطي الأولويّة لترسيم الحُدود البحريّة، بحجّة التسريع في إطلاق الأعمال الإستثمارية، بينما يعتبر الجانب اللبناني هذا الأمر بمثابة تهرّب «إسرائيلي» من إعطاء لبنان حقّه في النقاط الخلافيّة البريّة. وأضاف المصدر أنّ لبنان يُطالب بحسم الخلاف على بعض النقاط البريّة في منطقة الناقورة وغيرها، لأن من شأن هذا الأمر تسهيل تحديد ورسم الحدود البحريّة في المياه الإقليميّة بناء على الخريطة البريّة المُتفق عليها، باعتبار أنّه بمجرّد حسم الحدود البريّة تُصبح مهمّة رسم الحُدود البحريّة شبه تلقائيّة!

وتابع المصدر الدبلوماسي نفسه أنّ العدو الإسرائيلي رفض إعطاء قوات «اليونيفيل» أدوارًا رئيسة في عمليّة الترسيم، وهو مُصرّ على أن يكون هذا الدور الرقابي مُناطًا بالولايات المتحدة الأميركيّة، لأنّه يُريد الإستفادة من الإنحياز الأميركي الكبير إلى جانبه، بعكس ما سيكون الوضع عليه في حال تسلّم الأمم المتحدة مهمّة المراقبة، ولأنّه يثق بقُدرة الإدارة الأميركيّة على مُمارسة الضُغوط الحازمة على لبنان، بعكس ما ستكون الأمور عليه في حال كان الملفّ برمّته بيد المُنظّمة الدَوليّة. وأشار إلى أنّ لبنان يُعارض من جهته هذا الأمر، ويُصرّ على دور أممي في هذا الملف، من دون أن يُمانع في وُجود أكثر من دولة أجنبيّة بصفة مُراقب.

ولفت المصدر من جهة أخرى، إلى أنّه من المُتوقّع أيضًا أن تُضيف «إسرائيل» ملفًا جديدًا إلى مهمّات شينكر، لجهة مُطالبة لبنان بتجديد إلتزامه التام بالقرار الدَولي رقم 1701، علمًا أنّ تحرّكات دبلوماسيّة إسرائيليّة سُجّلت خلال الأيّام القليلة الماضية تجاه روسيا للقيام بدور مُماثل.

وختم المصدر الدبلوماسي كلامه بالتشديد على أنّ المُفاوضات الجدّية لن تبدأ إلا بعد إستلام فريق العمل «الإسرائيلي» الجديد مهمّاته، وهو الفريق الذي ستتحدّد أسماء الأعضاء فيه، بعد إجراء الإنتخابات «الإسرائيليّة» التشريعية المُبكرة في 17 أيلول الحالي، «وعندها سيتبيّن الخيط الأبيض من الأسود، لجهة مدى جدّية «إسرائيل» في إنهاء النزاع بشأن ترسيم الحدود مع لبنان بالسرعة اللازمة كما تزعم».