الوضع الاقتصادي الخطر الذي يعيشه لبنان يحتم على الجميع تحمل المسؤولية الوطنية لأن المرحلة مصيرية لدولتنا: فاما سنجد ان هناك رجال دولة يدركون فعلا خطورة التدهور الاقتصادي وعليه يعملون لتنفيذ الاصلاحات المطلوبة وتنفيذ الخطة الاقتصادية الامثل لاخراج لبنان من الحفرة الواقع فيها. واما سنجد ان لا مسؤولين وطنيين ولا رجال دولة بكل ما للكلمة من معنى بل سياسيون لا يأبهون الى مصير لبنان اقتصاديا وسياسيا، وبالتال لا يكترثون ان سقطت الدولة اللبنانية اقتصاديا وانهارت مؤسساتها وتراجعت كل مؤشراتها الاقتصادية الى الاسوأ.

اليوم نحن امام مفترق طرق: اما الحل وامّا الغرق، ولا خيار ثالث للحالة التي نمر بها. الان ليس الوقت للدخول في متاهات داخلية تافهة ومشاحنات سياسية سخيفة لا تأتي بأي فائدة على الوطن سوى انها تؤزم الوضع اكثر مما هو عليه. والحال ان الدولة اللبنانية تواجه خطراً وجودياً واستمرارية مؤسساتها مهددة اذا لم يأخذ القيمون على هذا البلد بدءا من الرؤساء الثلاثة مرورا بالعمل الوزاري وصولا الى فاعليات سياسية بتنفيذ خطوات عملية ومناسبة تستهدف مباشرة مراكز العجز والفساد. واول ملف يسبب بالضرر المالي والاقتصادي على لبنان هو ملف الكهرباء حيث باتت معالجته بشكل جذري اكثر من ضروري وليس بالترقيع كما كان يحصل سابقا. بيد ان المبعوث الفرنسي المكلف متابعة مؤتمر «سيدر» بيار دوكان كشف للرأي العام اللبناني استهتار المسؤولين اللبنانيين بمعالجة الوضع الاقتصادي المتردي مشيرا الى ان المسؤولين لا يأخذون الموضوع بجدية ويغرقون بأوهام ويستندون الى حصول معجزة من جراء استخراج النفط والغاز.

مؤسف ان يكون عراب «سيدر» حريصاً على مصلحة لبنان ومواطنيه اكثر من المسؤولين اللبنانيين. محزن ان لا يتحلى السياسيون بوعي وطني او نضوج سياسي ومحبة للبنان الوطن، والا ما هي تبريرات تصرفاتهم وبطئهم في اقرار الاصلاحات والدخول في السجالات السياسية الفارغة سوى انهم سقطوا في امتحان العمل الجدي لانقاذ لبنان اقتصاديا؟

من هنا، الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من المماطلة والتأخير في كل استحقاق هام للبلاد وخاصة على الصعيد الاقتصادي، والوقت لم يعد يحتمل الانزلاق بخلافات سياسية جديدة لان الاستقرار السياسي ينعكس ايجابا على الاستقرار الاقتصادي.

وللاسف، اصبح عامل الوقع عاملاً سلبياً للدولة اللبنانية البطيئة في المضي قدما في اصدار قرارات ملمة بالوضع الاقتصادي السيئ، والانكى من ذلك ان كل المفاوضات والمباحثات اللتي تجري لتقليص العجز تطالب المواطن الفقير وحده وتعفي الاغنياء والسياسيين من الاجراءات التقشفية. هذه الطبقة السياسية ما زالت تمعن في افقار اللبناني وهي مستمرة في نهج تجويع المواطن اللبناني العادي. بمعنى آخر، اصحاب الدخل المتوسط والعالي لن يتأثروا كثيرا بالخطوات التقشفية، بل المواطن الفقيد الذي يعاني الامرين هو الذي سيتحمل اعباء هذه السياسة غير العادلة، بخاصة ان الدولة اللبنانية لم تتعامل يوما مع اللبناني الفقير برحمة ولم تمنحه يوما امتيازات استثنائىة لتسعفه في وضعه المعيشي. والنتيجة معروفة: الاستقواء على الفقير و«الدلال» للاغنياء.

اضف الى ذلك، كم من فضيحة برزت الى العلن اكدت ان السياسيين لا يبالون بوضع المواطن اللبناني المعيشي والاجتماعي والمالي كما يتعاملون مع مالية الدولة كأنها مسخرة لهم او كأنها من مالهم الخاص.

فكيف يمكن لوزير الاتصالات محمد شقير ان يخصص 75 مليون دولار لشراء شركة «تاتش» في حين ان الدولة تعلن انها ماضية في مسار تقشفي؟ الا يدل ذلك على ازدواجية في سياسة الدولة تجاه المالية العامة؟ فمن جهة تسعى الى وضع رسوم على البنزين ورفع نسبة القيمة المضافة الى 15% الى جانب عدم قيام الدولة عبر وزارة المالية بدفع المستحقات المالية للمستشفيات والجامعات والوسائل الاعلامية. ومن جهة اخرى تنكشف امور كثيرة للرأي العام اللبناني تظهر ان الدولة تغض النظر عن المعابر غير الشرعية وانها لم تبذل جهدا لابرام اي تسوية بين الدولة والاملاك البحرية التي تأتي بأموال وافرة للخزينة ليدرك المواطن ان سياسة التقشف تستهدفه هو فقط.

على كل حال الايام المقبلة ستكشف اذا كان المسؤولون سيتعاملون بحكمة ودقة لوقف التدهور الاقتصادي مع القيمين على مؤتمر «سيدر» وابرزهم عراب «سيدر» السفير الفرنسي دوكان. واذا كانت الحكومة ستتعامل بجدية مع المخاطر الاقتصادية المحدقة بلبنان. فلا تخيبوا آمالنا هذه المرة لان الشعب الموجوع والذي يئن بصمت لن يسكت ولن يلتزم الصمت اذا رأى ان لقمة عيشه باتت مهددة. احذروا غضب الجياع والفقراء والمنتفضين فهو غضب اشبه ببركان متى انفجر يصعب احتواؤه.