في ظل الازمة الاقتصادية المتمادية، شكّل مؤتمر «سيدر» الذي انعقد في نيسان من العام 2018 في العاصمة الفرنسية باريس، باب الامل الضئيل للبنانيّين لتفادي هذه الازمة، والاختبار الابرز للدولة اللبنانية من ناحية مدى قدرتها على تحقيق الإصلاحات المالية والإدارية المطلوبة، وخصوصاً محاربة تجاوز القوانين واستغلال النفوذ، وقد طلبت الدول المانحة من لبنان إجراء إصلاحات كثيرة، بهدف تمويل المشاريع الـ 250 التي قدمتها الحكومة، وحصلت من خلالها على مجموعة قروض بفوائد ميسّرة وهبات، وصلت قيمتها الى 11 مليار دولار و800 مليون دولار، بعدما أعلنت عدة دول دعمها وتقديمها المساعدة.

وتعتبر هذه الخطوات ضمانة لنموّ الاقتصاد وتقليص العجز، وتأمين الاستقرار المهدّد جراء الأزمات التي يعيشها على الصعد كافة. وقد جرى الاتفاق على خطة استثمار في قطاعات أساسية منها، الكهرباء والمياه والبنى التحتية والبيئة والتعليم وغيرها من القطاعات. لكن التأخير في البدء بهذه الخطوات الاصلاحية المطلوبة من «سيدر»، يشير الى المخاطر المرتقبة بحسب ما يؤكد الخبراء الاقتصاديون، لان الوضع الاقتصادي وصل الى الانهيار، وسيزداد سوءاً في ظل استمرار العجز والهدر والفساد في كل الملفات، إضافة الى تراجع النمو

والانتاج في القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية وغيرها، والمطلوب اليوم وبسرعة تنفيذ مقررات «سيدر»، من اجل إقناع المجتمع الدولي بجدّية ونيّات الحكومة اللبنانية إجراء الإصلاحات التي وُعدت بها.

إنطلاقاً من هنا حذرّت الدول المانحة من هذا التأخير في الاصلاحات، وخصوصاً الدولة الفرنسية التي لطالما حذرّت من التباطؤ في ذلك، عبر بياناتها وإرسالها الموفدين الفرنسيّين الى لبنان، وآخرهم المبعوث الفرنسي المكلف متابعة مقررات مؤتمر «سيدر» السفير بيار دوكان، الذي يزور لبنان لإيصال رسالة هامة مفادها ان باريس لم تطلب من الدولة اللبنانية وضع ضرائب ورسوم جديدة، إنما القيام بإصلاحات جدّية، وقوله:» نحن في الدول المانحة معيار الحكم لدينا الإصلاحات وليس الضرائب»، بحسب ما نقلت مصادر وزارية عن الموفد الفرنسي خلال لقائه بعض المسؤولين اللبنانيّين. مشدّداً على ان «سيدر» ليس صندوق هبات أو قروض بل صندوق للمشاركة في الاستثمارات بمشاريع مفيدة، أي تلك التي تقتنع بها الدول المانحة، على ان تكون هذه المشاريع بالتشارك بين القطاعين العام والخاص.

المصادر لفتت الى ان المبعوث الفرنسي شدّد اولاً على ضرورة الوفاق السياسي الداخلي في لبنان، قبل أي إصلاحات اوتدابير مالية واقتصادية بهدف حمايتها وتسهيل تنفيذها، موجهّاً نصائح عدة الى المسؤولين اللبنانيّين، ابرزها الاسراع في التنفيذ والعمل على إقرار الموازنة المقبلة في مواعيدها الدستورية، لأن ذلك يعطي صورة جيدة عن مدى التزام الدولة اللبنانية بالإصلاحات، للخروج من ازماتها الاقتصادية والمالية. كما طالب دوكان بتنفيذ خطة الكهرباء في أسرع وقت ممكن، إضافة الى استكمال الإصلاحات في موازنة 2020. ناقلة بأن المسؤول الفرنسي كان واضحاً جداً بخصوص المطلب الاخير وتحت عنوان بارز « بأن لا «سيدر» من دون تحقيق الاصلاحات»، واشارت الى مدى تشديده على كل هذه المطالب وكأنه ينقل الرسالة الاخيرة الى المسؤولين في لبنان قبل فوات الاوان، لان الخطر الاقتصادي كبير على لبنان والمطلوب الجدّية في التنفيذ.

كما لفتت المصادر الوزارية الى ان دوكان كان واضحاً جداً في هذا الاطار، وهو إطلع من المسؤولين اللبنانيّين وبعض العاملين في المصارف على كل شاردة وواردة، وتابع كيفية تعاطي الحكومة اللبنانية مع الاصلاحات المطلوبة، واكد لهم أن الاموال جاهزة لكنها لن تعطى قبل التنفيذ. سائلاً عن التهرّب الضريبي وآلية مراقبة الحدود وإصلاحات اخرى من الضروري تطبيقها سريعاً.