في اسرائيل مقولة رائجة اليوم عقب الاحداث الاخيرة على الحدود، بان الاسرائيليين امتلكوا «حظا» اكثر مما كان لهم «عقل»، لكن ما تبين بعد ساعات من تنفس الجميع «الصعداء»، ومرور «قطوع» رد حزب الله دون التسبب بحرب مفتوحة، ان لا الحظ والا العقل قادرين على محو الخسائر النفسية والمعنوية الكبيرة التي تكبدها الجيش الاسرائيلي الذي جرى استغلاله على نحو فاضح من قبل رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو لاهداف انتخابية، وما لا يدركه الاسرائيليون جيدا ان اسبوع الوقوف على «رجل ونصف» انتهى ايضا باختبار قاس للجيش الاسرائيلي، وبنتائج عسكرية وامنية كارثية بعدما اكتشفت المقاومة بعد 13 سنة على حرب تموز ان كل محاولات ترميم «الاخطاء» على الجانب الاخر من الحدود لم تجد نفعا، وما يزال الجيش الاسرائيلي يرتكب الاخطاء «الساذجة» نفسها، بل ربما بلغ الترهل مراحل اكثر سوءا...

وفي هذا السياق، تؤكد اوساط معنية بهذا الملف بان حزب الله نجح في استدراج الجيش الاسرائيلي الى «كمين» امني، ويمكن القول ان حجم المكتسبات العسكرية التي استطاعت المقاومة مراكمتها خلال الاسبوع المنصرم تتجاوز باضعاف ما سعت الى جمعه من معلومات على طول الجبهة خلال السنوات التي تلت انتصار تموز... فقد كانت هذه الفترة فرصة ذهبية لوحدات متخصصة في الرصد والتقييم التي تمكنت من مراقبة ردود فعل الجيش الاسرائيلي واحصاء «انفاسه»، وقد اقدمت المقاومة على اجراء اختبارات «وهمية» في اكثر من محور على طول الحدود ونجحت في استدراج الاسرائيليين لكشف ردود افعالهم التي سمحت برسم صورة كاملة لكيفية ادراتهم للمعركة المقبلة، واكتشفت المقاومة بفعل «داتا المعلومات» الجديدة وجود «ثغرات» قاتلة لدى جيش العدوحيث تبين انه لم يستفد من دروس الماضي، وكانت حركته على الارض فوضوية وغير منسقة... وكانت الخلاصة واضحة بان هذا الجيش لا يملك القدرة على «الادارة والسيطرة»، وفي اول مواجهة جدية ستكون ثمة مفاجآت كبرى ستغير حتما وجه المنطقة...

ولذلك، عندما تخبو ضجة المهرجانات ويتوقف الإعلام الإسرائيلي عن التربيت على كتف الجيش الإسرائيلي، سيكون هناك وقت للتعمق في الصورة التي تظهرت يوم الاحد الماضي، فقد نجح حزب الله مرة جديدة في اظهار «هشاشة» الجيش الاسرائيلي الذي حاول جاهدا الهروب من المواجهة، وقد بدا يتلاشى وهم الاحتفالات في اسرائيل حول «نكتة» خديعة حزب الله وبدات عمليا التعمق في «صورة» هذا الجيش الذي ظهر بوضوح انه كان مردوعا وجنوده يعانون من «فوبيا» دخول حزب الله الى الجليل، وبحسب تلك الاوساط، كانت الظروف الميدانية على الطرف الاخر من الحدود تسمح على نحو جلي بدخول مجموعة من المقاومين الى موقع افيفيم «الخالي» لرفع علم المقاومة، وعلم فلسطين، لكن الاوامر من قيادة حزب الله بقيت في حدود ضيقة،» نفذوا ردا يعيد الاعتبار الى مفهوم الردع ويكسر «الخطوط الحمراء» ونقطة على السطر»...

وفي هذا السياق، لم تكسر العملية فقط الخطوط الحمراء بل كشفت هشاشة استعدادات الجيش الاسرائيلي، وحتى في اسرائيل ثمة قناعة بان المنطقة كانت قريبة جدا من تصعيد كبير مع حزب الله بسبب خلل عملياتي خطير في الجيش الإسرائيلي الذي اهمل ايصال التعليمات «المناسبة» لجنوده الذين كشفوا انفسهم لرماة الصواريخ في حزب الله، وقد تم فتح تحقيق في هذا الخلل الذي سمح لحزب الله باصابة سيارة إسعاف عسكرية محصنة معروفة «بالذئب»، ولسبب لم يتم توضيحه بعد لا توجد ايجابات عن سبب عدم اختيار طاقم سيارة الإسعاف الطريق الأكثر أمناً، وكيفية معرفة المقاومين مسارها، هل كانت مجرد صدفة؟ او تم خرق اجهزة الاتصال الاسرائيلية؟ والجدير ذكره ان المجموعة اختارت ضرب هدف متحرك، وهي مهمة معقدة أكثر في ظل الاجراءات الاحترازية، اما النتيجة الاهم التي توصلت اليها المقاومة تفيد بان معظم السيارات التي يستخدمها الجيش الاسرائيلي على طول الحدود غير محصنة من صواريخ «الكورنيت» الروسية.

وقد كشفت هذه الحادثة مرة جديدة ان للجيش الإسرائيلي مشكلة متواصلة في تطبيق الانضباط العملياتي في حالات الاستنفار، ففي كانون الثاني 2015، حدث خلل مماثل حين رد حزب الله على استشهاد جهاد مغنية واحد الضباط الايرانيين في الجولان بإطلاق صاروخ كورنيت على قافلة للجيش الإسرائيلي كانت تتحرك على سفوح مزارع شبعا، وكانت تضم ضباط من كتيبة في لواء جفعاتي خالفوا يومها ايضا التوجيهات ولم ينجحوا في تقدير خطورة الموقف على الجانب الاخر من الحدود فسقط في صفوفهم اربعة بين قتيل وجريح...

وازاء هذه المعطيات، كل الثرثرة الاسرائيلية حول النجاح في خداع حزب الله تبدو «مسرحية» فاشلة اخراجيا وتمثيليا، فارباح الحزب من «حماقة» نتانياهو الانتخابية لا تعد ولا تحصى، ولم يكن على جدول اعمال المقاومة حساب عدد القتلى والجرحى في صفوف الجيش الاسرائيلي اصلا، فالمقاومة نجحت في شل كل مستعمرات الحدودية اسبوعا كاملا، كشفت هشاشة استعدادات «الجبهة الداخلية»، والاهم كان فضح نقاط ضعف الجيش الاسرائيلي، وفي اسرائيل الاستعدادت جارية «لهضم» اسقاط «المسيرات»، وبالرغم من اعلان السيد نصر الله على نحو واضح لا يقبل «الشك» انه تم اقفال «حساب» عملية عقربا قرب دمشق، الا ان ثمة من يعتقد في كيان العدو ان ما يحصل مجرد «مناورة» وان «الرد» لم ينته، ويعتقدون انه سيضرب بعيدا عن الحدود الشمالية... اما المحللون المتخصصون في الشان اللبناني فتوجهوا الى القيادة الاسرائيلية بالقول «من يعتقد أن السيد نصرالله «مردوع»، وسيكتفي بإصابة المركبة المحصنة التي تركت لمصيرها في الساحة في أفيفيم، حتما سيخيب ظنه، وسيكون ثمن الخطأ جسيماً بعدما جعل نتانياهو من امن اسرائيل وجيشها «ورقة» انتخابية.. في المقابل ثبت حزب الله معادلة الردع مع «حبة مسك»، راكم المزيد من الخبرات العسكرية والامنية من دون أن يخاطر بالمكتسبات التي حققها في حرب تموز، وفي الوقت ذاته، لم يدخل لبنان في سيناريوهات «كارثية»، وحصل على اجماع وطني ورسمي غير مسبوق، باستثناء بعض «التافهين» الذين لا وزن لهم في السياسة والاعلام...