هل تنشب أزمة ديبلوماسية بين لبنان وتركيا على خلفية بيان وزارة الخارجية التركية الذي أدان كلام رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بأشدّ العبارات على ما ورد في كلمته الأخيرة التي أعلن فيها بدء ذكرى مئوية لبنان الكبير عن الحقبة العثمانية في لبنان التي وصفها بـ«إرهاب الدولة»، ومن ثمّ ردّ وزارة الخارجية اللبنانية ببيان عليه استهجنت خلاله ما ورد فيه مؤكّدة على أنّ «التخاطب بهذا الأسلوب مع فخامة رئيس البلاد أمر مرفوض ومُدان، وعلى الخارجية التركية تصحيح الخطأ»؟!. (كما استكملت استنكارها باستدعاء سفير تركيا في لبنان للاستيضاح منه حول حقيقة ما جاء في بيان خارجية بلاده). وهل سيتمّ بالتالي طرد السفير التركي في لبنان، على ما طالب البعض الذي رأى في البيان «إهانة للرئيس» وبالتالي للدولة اللبنانية؟

مصادر مواكبة في الخارجية أكّدت أنّ الأمور لن تصل الى حدّ طرد السفير التركي، مشيرة الى أنّ استدعاءه الى الوزارة يصبّ بهدف إبلاغه أنّ على بلاده تصحيح الخطأ، وبالتالي الإعتذار عمّا ورد في البيان من كلام مسيء لفخامة الرئيس. وأشارت الى أنّه «لا نيّة لدى لبنان بتوتير العلاقات القائمة مع تركيا بل بتوضيح ما جرى وتجاوزه، سيما وأنّ هناك مجالات تعاون مستقبلية عدّة بين البلدين سبق وأن تمّ الإتفاق عليها خلال زيارة وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو الأخيرة الى بيروت، بدءاً من مسألة التنسيق بينهما فيما يتعلّق بإعادة النازحين السوريين الى بلادهم، من خلال تنظيم تركيا لمنتدى مشترك يضمّ اليهما كلاً من الأردن والعراق ودعوة المجتمع الدولي للمشاركة فيه، وصولاً الى طلب تركيا عدم استثنائها من أي إتفاقية مستقبلية حول موارد شرقي البحر المتوسط من نفط وغاز طبيعيين انطلاقاً من سيطرتها على شمال قبرص، أو ما يُعرف بـ «قبرص التركية»، ورغبة شركات تركية عدّة بالإستثمار في قطاع الطاقة المتجدّدة في لبنان.

وأضافت المصادر بأنّ الرئيس عون قد أعطى في كلمته توصيفاً لما حدث في الماضي عندما لم تكن قد وُلدت بعد الجمهورية التركية، على ما هو عليه وضعها الحالي. ولهذا فوجئت الخارجية بردّة فعل وزارة الخارجية التركية وبالكلام الذي صدر عنها في البيان. ولهذا كان من الطبيعي أن يتمّ إبلاغ تركيا باحتجاج لبنان وطلب تصحيح الخطأ وفق الأصول الديبلوماسية لتستقيم العلاقة بين البلدين. وذكرت بأنّه بعد أن جرى استدعاء السفير التركي وإبلاغه باعتراض لبنان لا تدري كيف سيتصرّف، لكنها تساءلت عن مصلحته في تصعيد الموقف مع لبنان. علماً بأنّ تشاكيل خرج من اجتماعه في الخارجية مع مدير الشؤون السياسية والقنصلية في الوزارة السفير غدي خوري الذي دام أكثر من نصف ساعة، واكتفى بالقول ردّاً على سؤال «الديار» حول إذا ما كانت بلاده ستعتذر من الرئيس عون «ليس لدّي أي تصريح».

في المقابل، أكّدت أوساط ديبلوماسية مطّلعة بأنّ وصف بيان الخارجية التركية كلام رئيس الجمهورية بالهذيان، هو كلام غير لائق، وتخرج لغته عن الأصول الديبلوماسية وعن العلاقات الوديّة بين البلدين، سيما وأنّ الرئيس عون لم يُجرّح بالجمهورية التركية ولا برئيسها، إنّما تكلّم بشكل عام عمّا مرّ به لبنان خلال المئة سنة الماضية. فيما تضمّن بيان الخارجية التركية تجريح وإهانة لرئيس البلاد، الأمر الذي يتطلّب تصحيح هذا الخطأ فوراً، مؤكّدة بأنّ الأمور لن تصل الى طرد السفير تشاكيل أو قطع العلاقات مع تركيا لأنّ زعزعة علاقات وديّة بين بلدين لا تحصل بسبب خطأ ديبلوماسي بالإمكان تصحيحه.

وأشارت الى أنّ الحقبة العثمانية تُشكّل موضوعاً حسّاساً جدّاً بالنسبة لتركيا اليوم، سيما وأنّ الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان يبني على تاريخ السلطنة العثمانية لاستعادة الهيبة لدولته الحالية، وللعبها دوراً فاعلاً في كلّ ما يجري في دول المنطقة، على ما كانت عليه في الماضي. كما أنّ نظرة أردوغان مغايرة تماماً لنظرة «التتريك»، على ما يصفها البعض، ولهذا يُحاول الدفاع عن هذه الحقبة في كلّ مناسبة. غير أنّ هذا الأمر لا يُبرّر اعتماد بيان الخارجية التركية عبارات لا تتطابق مع الأصول الديبلوماسية، أو الإدّعاء بأنّ الرئيس عون يهذي أو يقول أموراً لم تحدث.

ويقول بعض العارفين بأنّ الرئيس عون لم يُحرّف التاريخ، فالجميع يعلم بأنّ اللبنانيين عانوا كثيراً خلال الإنتداب العثماني الذي دام نحو 400 عام من كلّ أنواع الظلم والتعسّف بحقّهم. كما أنّ المشانق التي عُلقّت في 6 أيّار لأول قافلة من الشهداء بهدف إسكات روح التحرّر والتمرّد والأقلام التي أرادت التعبير بحريّة عن الواقع الذي يعيشه اللبنانيون آنذاك، كانت أساس تسمية الساحة بساحة الشهداء، واحتفال نقابة الصحافة بالتالي بذكرى شهداء الصحافة بالتاريخ نفسه في كلّ عام.

ومن هنا، جزمت الأوساط نفسها بأنّ ما حصل سينتهي بحسب ما تنصّ عليه الأصول الديبلوماسية، لأنّ أي من البلدين ليس في صدد التفريط حالياً بالتقارب فيما بينهما بدلاً من التباعد أو الشرخ الذي لا يخدم العلاقات الودّية بين البلدين، ولا مصلحة أي منهما.