لم تنته بعد مفاعيل المزاعم الإسرائيلية عن امتلاك «حزب الله» مصنعاً لإنتاج الصواريخ الدقيقة وتحويلها قرب بلدة النبي شيت البقاعية، فاستمرّ الاعلام الغربي بالترويج للرواية العبرية كجزء من الدعاية التي تخدم مشروع بنيامين نتنياهو في مواجهة محور المقاومة في المنطقة وخصوصاً في لبنان.

طبعاً لا ينكر «حزب الله» امتلاكه منظومة صواريخ دقيقة قادرة على إصابة أهم المواقع الاستراتيجية الإسرائيلية وتدميرها، من ضمن حقّ المقاومة في تثبيت توازن الردع مع العدو، لكنه ينفي بالمطلق وجود معامل لتصنيع هذه الصواريخ، وهذا ما أكدته مصادر مقرّبة من الحزب رأت أن «العدو الإسرائيلي وقع في حبال أكاذيبه، إذ سبق وزعم وجود هذه الصواريخ في محيط مطار بيروت الدولي، وقدّم نتنياهو خريطة لها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم انتقلت أكاذيبه الى تبرير العدوان على الضاحية الجنوبية قبل أسبوعين، بأنها محاولة لاستهداف مستودعات الصواريخ الذكية، وها هو الآن يقدّم رواية أكثر تضليلاً عن مصنع للصواريخ في البقاع».

وشدد المصدر المقرّب من «حزب الله» على أن «قوّة المقاومة ونجاحها يكمنان في سريّة تواجد سلاحها ومقاتليها، واحتفاظها بعنصر مباغتة العدو وضربه في المكان الذي لا يتوقعه»، معتبراً أن «الحديث عن وجود مصنع للصواريخ في النبي شيت وفي منطقة سكنية مكتظّة، يخفي في طياته نوايا خبيثة لدى العدو لاستهداف المدنيين، لكنه بنفس الوقت يعرف تماماً أن المقاومة تطبق مبدأ العين بالعين والسنّ بالسنّ، وإذا كان المدنيون اللبنانيون في خطر، فلن ينام الشعب الإسرائيلي في راحة وأمان».

ويبدو أن معادلة الردع التي تمتلكها المقاومة بوجه إسرائيل، باتت قوّة معترف بها دولياً لا يمكن تجاهلها بأي حال، ويكفي قراءة مضمون التقرير الذي أصدره قبل ساعات «مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية»، ونشرته وكالة «سبوتنيك» الروسية، والذي يشير إلى أن «قدرات «حزب الله» أضحت أضخم قوة عسكرية خارج إطار الجيوش النظامية في العالم». ويؤكد التقرير أن الحزب «يمتلك ترسانة هائلة من المدفعية الصاروخية، إضافة إلى صواريخ بالستية ومضادات للطائرات، وأسلحة مضادة للدبابات إضافة إلى القذائف المضادة للسفن».

وفيما لا تزال الروايات الإسرائيلية المتناقضة تخضع لتقييم الخبراء العسكريين لمعرفة خلفياتها وأهدافها، وضعت مصادر دبلوماسية تسريبات الجيش الإسرائيلي في سياق «الدعاية الانتخابية التي ينتهجها نتنياهو». وأكدت أن «رئيس الوزراء الإسرائيلي ورغم حراجة وضعه في الانتخابات النيابية، وخطر مثوله أمام القضاء بتهم الفساد، لا يزال قادراً على تسويق نفسه أمام الناخب الإسرائيلي على أنه قادر على كشف مكامن القوّة لدى العدو (حزب الله) والأكثر قدرة على مقارعته». ولم تخف المصادر الدبلوماسية، أن «الصور التي ينشرها الجيش الإسرائيلي بإيعاز من نتنياهو تفعل فعلها في وجدان المجتمع الإسرائيلي، الذي يجد أن المرحلة تتطلب حكومة متشددين على صورة نتنياهو وصقور حزب الليكود»، معتبرة أن «الوقت يساعد (نتنياهو) بوجود حليف له في البيت الأبيض هو دونالد ترامب، الذي يقدّم مصلحة صديقه نتنياهو على غيره من المنافسين في الانتخابات التشريعية وفي السباق الى رئاسة الحكومة».

وعلى المقلب السياسي الداخلي، ليس ثمّة قلق حيال التهديدات الإسرائيلية بالنظر لعاملين، الأول قوة المقاومة في التصدي لأي عدوان وقدرتها على لجم الجموح الإسرائيلي نحو حرب واسعة يدرك أنها خاسرة سلفاً، والثاني وحدة الموقف السياسي بين الدولة والحزب والتي لم تتحقق بهذا الوضوح منذ تحرير الجنوب في العام 2000، وهو ما يسمح بحماية ظهر المقاومة، وتمكينها من التفرّغ لمواجهة أي عدوان إسرائيلي وفق ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة».

ورغم التصعيد على ضفتي الحدود اللبنانية والفلسطينية، ترى مصادر سياسية أن «هذا الغليان يأتي على وقع اشتداد الكباش الأميركي الإيراني، وفي ظلّ استئناف المفاوضات الإيرانية مع الغرب، والبحث عن مخارج تمكن الأميركي من النزول عن الشجرة التي صعد اليها، عبر التلويح بضربة قوية وحاسمة للجمهورية الإسلامية الإيرانية يعلم يقيناً أنها لن تتحقق وعاجز عن تحقيقها بالمطلق». وبرأي المصادر إن «مرحلة عضّ الأصابع بلغت نهاياتها، وبات الجميع يبحث عن مخارج، بحيث أوكل الغرب حيزاً مهماً من هذا الدور للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، الذي رعى قمّة الدول الست في فرنسا، التي انضم اليها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، تحت عنوانين رئيسيين، الأول انقاذ الاتفاق النووي الإيراني، وهذا ما يبرره تصريح ظريف الأخير الذي أعلن أنه لم يحن وقت نعي هذا الاتفاق، والثاني تخفيف وتيرة التصعيد، والسعي لولوج مفاوضات تشكّل بداية التراجع الأميركي في حربه الاقتصادية على الشعب الإيراني».

وأمام المشهد الإقليمي الآخذ في التبلور، تبقى الجبهة اللبنانية ــ الإسرائيلية، مضبوطة على ايقاع التفاوض الإيراني ــ الغربي، وخوض جولات جديدة من المحادثات مع طهران، دون تخلّي الأخيرة عن أوراق قوتها، بما يحسّن شروطها على طاولة المفاوضات، وهي شروط يبدو أن الأميركي لا يجيد فيها حسن التعامل الا مع الأقوياء.